في أحد زياراتي القليلة نسبياً لمعرض القاهرة للكتاب بمدينة نصر , منذ سنتين تقريباً , كنت بمفردي وأثناء إجتيازي لإحدى البوابات العديدة والتي كانت مزدحمة بفعل اجراءات التفتيش الشديدة , بوابات آمنية وتفتيش متعلقات شخصية ونحو ذلك , كان يبدون أن النظام مرعوباً من فكرة تجمع هذا العدد من المواطنين ( يمكننا ان نطلق عليهم مثقفين ) , أجتزت البوابة الآمنية بعد أن أطلقت صفارة , أشرت على إصرها للقطعة المعدنية المثبته بالحزام , ومررت اشار لي احدهم بلباس مدني , وطلب مني ان اعطيه حقيبتي الصغيرة , فتحها , وجد بعض الكتب , قلب فيها جذبه عنوان أحدها , لم يكن كتاباً بالتحديد بل كانت مجلة , " مجلة السياسة الدولية ", نظر اليها كأنه أكتشف إكتشافاً عظيماً " سياسة ؟ " , " انت بتقرا سياسة ؟ " ... " إنت منين ؟" .... أستدركت الأمر قبل أن يتهمني بقلب نظام الحكم .." لا لا سياسة إيه ... دي مجلة بتصدر تبع مؤسسة الأهرام ..الأهرام ؟ حضرتك عارفها ؟ وبعدين أنا اشتريت الأعداد دي من جوه .. " أعاد الكتب إلى الحقيبة وسمح لي بالذهاب , الصراحة أكملت تجولي داخل المعرض وأنا أضحك وأحدث نفسي كلما تذكرت هذا الموقف .
هذا هو النظام , كان يعتبر أن السياسة من المبيقات , أو من مبطلات الوطنية , فمنذ ان أراد الله لنا أن نُحكم , لم نرى حياة حزبية سليمة ترقى للدول والأنظمة الديموقراطية الأخرى في العالم , فبعد أن قامت الثورة وحلت الأحزاب , حتى تذكر السادات بعدها بسنوات عديدة ضرورة إيجاد مناخ سياسي صحي , وبالتأكيد وجب وجود الأحزاب , ثلاثة أحزاب فقط , وبعدها رأينا وتابعنا عن كثب مسرحية الأحزاب الكارتونية الهزلية على مر ثلاثون عاماً , وحتى الأن لم يتواجد ذلك المناخ السياسي الصحي القائم على أحزاب أياً كانت توجهاتها , يمثلون توجهات الشعب وينتخب ممثلي الشعب إنتخابات تعبر عنه وتفرز لنا حياة سياسية سليمة .
كانت علاقة السياسة بالمواطن المصري البسيط , تنحصر في متابعته لموجز أنباء يقطع فيلما أو مسلسلاً أو حتى أخبار التاسعة وهي يتناول ثمرة البطيخ في ليلة صيفية ساخنة , أو تنحصر في جريدة معارضة كالدستور أو الأسبوع تسبب له أعراض مختلفة تماماً عن تلك الأعراض التي تسببها له صحف أطلق عليه مجازاً بالقومية , أو تنحصر في حديث عابر مع زملاء في العمل أو مع ركاب آخرون من نفس الوطن محشورون في إحدى وسائل المواصلات( مع اتخاذ الحيطة ) , وبالتأكيد فتلك الأحاديث لا تجد لها متسعاً داخل الأسرة السعيدة المغموسة في حساب المصروفات والمرتب, غير ذلك فالمواطن متفرج ومحلل وناقد من الدرجة الأولى .
هكذا أقصى نظام سلطوي ومستبد طوال سنوات المواطن بعيداً عن أي مشاركة فعالة في الحياة السياسية , حتى أنه لم يعطه الفرصه أصلاً ليشكل وعياً سياسياً أو اتجاه أياً كان , وبالتأكيد كما أشرت سلفاً أن البيئة الصحية للحياة السياسية لم تكن موجوده , بل بالعكس كانت بيئة مناسبة جداً لتربية الفطريات والميكروبات والفيروسات بل والأورام في حالات متقدمة حتى باتت الحالة مستعطية وتستوجب البتر , فقد حوّل النظام المواطن لجرذ يجري في عجلة تدور إلى مالانهاية , فلا العجلة تتوقف والمواطن يدور داخلها ولا الجرذ ..أقصد المواطن يتوقف عن الجري والهرولة خشية السقوط والموت .
المـــــــواطــــــــن فــــــــي عيــــــــــــــــن النظــــــــــــــام
ربما كان النظام يصنف المواطنين على هذا الأساس : (1) مواطن ( في حاله ) لا ينتمي الى اي احزاب او تيارات سياسية أو جماعات دينية , فقط يبحث عن قوت يومه ورزقه ويعاني من نقص حاد في الوعي السياسي نتيجه لعدم توفر رؤية واضحة ولا ادراك ولا احساس بمسئوليته عن هذا الوطن وبالتالي عدم رغبته في التغيير .. يمكن ان يكون هذا المواطن يمتلك رؤية وادراك للموقف ولكنه فقد احساسه بدوره او فعاليته , فهُم افقدوه دوره السياسي , أفقدوه احساسه بصوته واهميته في صنع القرار لذا من الطبيعي جدا ان نجد هذه المعدلات الهزيلة في المشاركة في الانتخابات , حتى لو شارك فهو يشارك بمقابل مادي فوري وملموس , طبعا هناك عدد قليل جداً من يقرر من نوعية المواطن رقم (1) أن يشارك بإيجابية في الانتخابات ( أبسط وأسهل أنواع المشاركات السياسية ) ولكن للأسف المواطن رقم (1) يمثل الأغلبية العظمى من مجتمعنا .
مواطن رقم (2) المواطن الذي قرر ان يمارس الحياة السياسية ممارسة آمنة وبالتأكيد فقد استخدم كافة الوسائل الآمنة التي لا تجعله ينجب ...أقصد لا تجعله ذو فعالية حقيقية , فهو يمارس ولكن لايمارس , فهو عضو في حزب الحاكم , نعم أستخرج كارنيها يمكن أن يفيده في أي مكان صحرا ان كان او بستان , متفاخراً وسط زملاؤه السذج بأنه حزب وطني , مشهراً في وجه من يعترضه الكارنيه كسيف بلاستيكي , وهكذا أصبح مدرج عندنا خمسة ملايين في الكشوف على أنهم حزب حاكم , هذا النوع من المواطنين يفتقد إلى الرؤية الواضحة للمشهد السياسي ولا يدركه أصلاً إدراكاً جيداً , بالإضافة إلى انه يعاني من احساس مزيف بالمسئولية ولذا لا يشعر بأي دافع للتغيير , أقصد هنا أن معظم من انضم إلى هذا الحزب أو أدرج اسمه في قوائمة ليس بدافع المشاركة السياسية ولكن بدوافع أخرى وان كنت اشك أن هناك أعداد قليلة جداً كانت تنضم إليه بدافع إيجابي وحقيقي للمشاركة .
مواطن رقم (3) مواطن (جماعات) ويمكنك أن تميزه بسهولة ويسر بلحيته الطويلة وثوبه القصير أما الأنثى فهي منتقبة , وهذا المواطن لايمارس اي شكل من اشكال النشاط السياسي وينوء بعيداً عنها , فلا هو ينضم الى حزب ولا جماعة سياسية , بل يكتفي ببعض الأنشطة الدعوية المحدودة ومرتبط بالمساجد (بشكل مبالغ فيه من وجهة نظر النظام طبعاً) ويمكننا أن ندرج إلى هذا النوع من المواطن رقم (3)الباقون على قيد الحياة والخارجون عن الجماعات الإسلامية وجماعات التكفير والهجرة , بالنسبة للرؤية والإدراك للمشهد العام فهو ضعيف جداً وبالتالي فهو لايشعر بمسئولية واضحة في هذا المجال بالذات ولا يمتلك الدافع للتغيير , بالتأكيد فهو ذو توجهات ودوافع في منطقة مختلفة و بعيدة كل البعد عن الحياة السياسية .
مواطن رقم (4) المواطن المعارض , هذا المواطن الصبور الحمول وكل شئ على وزن " فعول " وهو يمارس الحياة السياسية فقط بدون اتخاذ اي حيطة او حذر , لذا فهو عرضه في اي وقت لأي مفاجأة من مفاجأت النظام , ..... ومرتبط بصناديق الإقتراع أحياناً , ويمكننا أن نضيف إلى هذا المواطن صفة ناصري , ليبرالي, إخواني , قومي , يساري , إشتراكي, وهذا هو المواطن الوحيد والمختلف عن الثلاثة السابقون فهو يمتلك رؤية واضحة - إدراك لما حوله - إحساس بالمسئولية - رغبة في التغيير, وإن كانت تختلف من جماعة إلى أخرى .
توضيح بسيط يجب التنوية إليه وهو أن المواطن المعارض المضاف إليه صفة ( إخواني - أي يتبع جماعة الإخوان المسلمين ) يمكننا أن نضيف أنه يمارس الحياة الدعوية بجانب السياسية , لذا فساحات أنشطته تشمل أيضاً المساجد بجانب صناديق الإقتراع.
ملحوظة رقم (1) المواطن رقم (1) و(2) و(4) يمكننا أن نجد المسلم والمسيحي مندرجاً تحت أي من تلك الأنواع الثلاثة , فيما ينحصر المواطن رقم (3) في نوع واحد فقط وهو المسلم .
ملحوظة رقم (2) يندرج عدد محدود (في تزايد) من المواطنين الذين يعانون من التخمة جراء أنواع متعددة من الفساد تحت بند المواطن رقم (2) وبالتأكيد فهو إما طالب سلطة أو مال أو الله أعلم .
يمكننا أن نصف الوعي السياسي للشعب المصري بالمتدني , بالتأكيد الأمر يختلف تدريجيا مع الوقت بعد ثورة يناير , ففي اعتقادي مازال وعينا السياسي يتشكل ويتكون في تلك الأيام مع وجود عدد كبير جداً من الشعب مازال يفتقد ذلك الوعي.
لم يعي النظام أبداً ان مصر لم يصل تعداد سكانها إلى تلك الدرجة , ولم يعي أيضاً أن نسبة المتعلمين علاقتها كانت علاقة طردية مع تعداد السكان , ومؤكد أن نسبة الوعي السياسي تزداد وسط المتعلمين , أزداد الوعي السياسي بطريقة ملحوظة نتيجة الإعلام الخاص بالتأكيد من قنوات خاصة وصحف معارضة بالإضافة إلى مواقع ( Twitter & Facebook ) والتي أطلق عليها مواقع إجتماعية ( Social) برغم أنها كانت في مصر على عكس ذلك حيث ظهرت بصبغة سياسية , كما ساهمت التكنولوجيا التي حولت المواطن إلى راصد ومسجل لكل حدث , فأصبح المواطن يحمل كاميرا يصور بها الحدث لينشره على الشبكة العنكبوتية ليراها العالم خلال لحظات.
تحولات بــــعد الثـــــورة
التحول الأبرز الذي أود أن أشير إليه هو التحول الجذري للمواطن رقم (3) ممن يُطلق عليهم سلفيين , لأول مرة آراهم يتحدثون عن الدستور والسياسة , هل هذا تطوراً في فكر جماعة كانت تنأى بنفسها عن السياسة ؟
نسبة من فئة المواطن رقم(1) ---تـــــحـــولـــــت ---إلى مواطن رقم (4)..(عقبال الباقي)
تحول العديد من المواطنين( الشباب) من المربع رقم واحد إلى المربع رقم أربعة , ليشارك بفاعلية نتيجة إلى تراكمات من مساوئ وكوارث للنظام السابق أظهرتها وسائل الإعلام والإنترنت جلية , فهاهو عدد لا بئس به من المواطن رقم (1) أصبح يمتلك الرؤية والإدراك كما شعر أنه مسئول عن الوطن بعكس أسلافه وبالفعل أرد التغيير وهو ما ترجم في ثورة , فا لأول مرة نتحدث عن مواد دستور كانت بعيد كل البعد عن وعي وادراك الشباب والناس, ونناقش مواداً بعينها , ونتحدث عن القائمة النسبية في انتخابات البرلمان و وزراء تكنوقراط ونظام برلماني ونظام رئاسي , ولكن مازال أيضاً هناك غالبية عظمى من الشعب لا تعلم شيئاً , ومازالت مغموسة في مستنقع الجهل السياسي ... بالإضافة إلى أننا لم ننضج بعد سياسياً ومازال وعينا يتكون ويتشكل و بالتأكيد يتطلب ذلك جهداً من الجميع .
لتتحول السياسة من كونها مبيقات و مبطلات للوطنية ..... لتصبح ركناً أساسياً للوطنية




