Saturday, June 18, 2011

صُدفة أم ألعوبة


الجمال وهو أمر نسبي يختلف من شخص لآخر فليس هناك مقاييس محددة للجمال

الخُلق ... على خلق أي طيب المعشر وهذا يرجع بشكل ما إلى المحيط والبيئة والعائلة والتربية والتنشئة الجيدة

التدين ... أي التمسك بتعاليم الدين الصحيح وإقامة الفرائض والإلتزام بها وانعكاسه على الخُلق
حتى هنا رائع جداً 

السن ... هو عمر الإنسان أي الفترة التي قضاها الإنسان في الحياة منذ ميلاده و فترة طفولته ثم المراهقة ثم الشباب حتى العجز والكهولة ثم الموت وينتهي عندها عُمر الإنسان .

المستوى الإجتماعي ... وهو مرتبط بالحالة المادية بشكل ما والعائلة إذا كانت ذات سُمعة طيبة 

المستوى العلمي أو التعليم أو الثقافة ويرتبطون ببعضهم البعض بشكل ما .. ويختلف التعليم من أدنى مستوياته حيث يمكن أن يكون منعدم تماماً أو تعليماً أساسياً فقط ..أو حتى تعليماً ثانوياً سواءاً كان عاماً أو فنياً ومن ثم ننتقل إلى أعلى المستويات التعليمية أي التعليم الجامعي ويتدرج هو الآخر في مخيلة المجتمع فيرى المجتمع أن أعلى المستويات التعليمية هي دراسة الطب البشري ويطلقون على مدارسها وكلياتها ..القمة يأتي بعدها الدراسات المختلفة بداية من الهندسة والمحاسبة والتدريس واللغات والمحاماة وغيرها من العلوم الآخرى المتعارف عليها من قبل الإنسان .
وليس شرطاً أبداً أن يكون الشخص الذي يتمتع بمستوى تعليمي عالي أن يكون على مستوى علمي مرتفع أو حتى يتمتع بثقافة عامة أو فكر ما .

المرض أي العطب سواءاً كان مزمناً أو مؤقت وهي حالة أختص بها الله مخلوقاته ليشعره بعبوديته وضعفة وإحتياجه المستمر يمكن أن يكون هذا المرض ظاهرياً أو غير ظاهري .. فإزدياد أو نقصان إفراز الإنسولين مرض ... والسمنة مرض .. والإعاقة الحركية مرض ..والإنفصام مرض أيضاً  الامراض معروفة وغير معروفة  .. ومنها المجهول حتى الأن برغم وجودها .

الحالة المادية سواءاً كان غنى أو فقر وبالتأكيد يتدرج من فقر مدقع حتى غنى فاحش وثراء 

الحُب .. وهو أسمى المشاعر في الوجود والحُب بالتأكيد أنواعه ودرجاته كثيرة ومتعددة فمنه 
الهوى والصبوة - مغرم صبابة -  و الشغف والوجد والكلف و العشق و الجوى و الشوق والوُد و الخُله - خليل- والغرام و الهيام 
ومنه حب الله و حب الأم و حب الأخ وحب الزوجه أو المرآة ويمكن أن يكون أفلاطونياً أو جنسياً وبالتأكيد حب النفس... وما يعنينا الأن ذلك الحب المولود بين الرجل والمرآة .. الحب ليس شرطاً أساسياً لبقاء الإنسان حيث أن عملية تكاثر الإنسان عملية بيولوجية بحته كالحيوان تماماً ولكن مايميزالإنسان هو المشاعر فقط.

ونقلاً عن الموسوعة فالزواج اصطلاحا هو العلاقة التي يجتمع فيها رجل (يدعى الزوج) ومرأة (تدعى الزوجة) لبناء أسرة. الزواج علاقة متعارف عليها ولها أساس في القانون والمجتمع والدين، وهي الإطار المشروع للعلاقة الجنسية وإنجاب الأطفال للحفاظ على الجنس البشري.


أغلقت حاسوبها الصغير وتناولت كتاباً بجوارها وأسندت رأسها على وسادة صغير , ثبتت نظارتها  وبدأت في القراءة
"
زهور الحب حمرا لأنها شايلة دم تجاربنا. شايلة موتنا. يمكن مينفعش ندوق طعم العشق ونرفض مر الموت” فكرت قليلاً , وأين ذاقت عشقاً أو حباً , تبدو الكلمات ضئيلة بجوار المشاعر المختزنه داخلها , تبدو الكلمات دائماً تافهه أمام التجربة و التجربة تعني الألم وما دمت تتألم فأنت حي , بئساً لحياة تؤلمنا وتوخزنا بتجاربها لنستمر في الطريق , طريق الألام , هل هي مجرد صدفة أو ألعوبة جديدة , نجد أنفسنا فجأة في وسط الطريق أمام سيارة مسرعة... ويحدث الإرتطام, ونفيق على واقع مختلف , مصبوغ بالمرارة .


معنى حبى ان قلبك لو نادانى اجمع العمر في ثوانى
واهديهولك في ابتسامة احلى من كل المعانى



هكذا قالوا "أن الأوقات المحلاه بالسكر المطحون تكون ألذ من الأوقات السادة ... تذوب الأوقات المحلاة في الفم سريعاً ولا تخلف إلا القليل القليل من طعمها الذي يترسب في الذاكرة. كان حُباً بكراً , وكانت مشاعر الحب تتقافز داخلهم كطيور الصباح على فروع الحياة  كما لو كانت أول مرة على وجه الأرض , أحب أدم حواء كما لم يحب من قبل , وأحبته حواء كما لم تحب من قبل , ربما أطلق أسمها على النجوم والأقمار وربما هي سمّت الانهار والبحار بإسمه , نقشا أسماءهم على صفحة السماء الزرقاء وخلقا موسيقى فريدة عزفاها سوياً على أوتار الطبيعة, زقزقة العصافير وحفيف الأشجار ونقر المطر, كان الحب الإلهي بداية وتلاه أول حب بشري .. حب بين أدم وحواء كزوجين كرجل وإمرآة ليكوّنا عالماً .... كانت الأجمل في عينيه فهو لم يرى قبلها أنثى .. وهي لم ترى قبله رجل ,خُلقت منه فاتكأ عليها طوال مشوار  , ليرحل الأشخاص وتبقى أساطيرهم وحكايتهم ترفرف في ثنايا الكوكب  وظل كل رجل يحب أمرأة كما لم يحبها من قبل وظل يحسبها الأجمل في الكون كما لوكان لم يرى قبلها أنثى وظلت المرأة تحب الرجل وتهبه ذلك الصندوق الوردي الصغير الذي يضخ مشاعر بكر و يتكأ عليها في الحياة كما لو كانت خُلقت منه.


تقدم لخطبتها , ورُفض ...لماذا؟ كان مُحاسباً .. هكذا كان رأي والديها كما كان رأي أخيها الطبيب المشهور ,  مُحاسب ؟؟ أتتزوجين مُحاسباً وأنتي مُعيدة بالجامعة ..؟ كما أن عائلته ....؟  كتمت داخلها صرخه وأتخذت قراراً ..ستتزوج من تحب وأقنعت بالفعل والديها  و تزوجا وعاشا مايقارب شهر ... شهر فقط أستطعا أن يسرقاه سوياً من الحياه هذا هو ما أستطاعا أن يحصلا عليه , ولكن .. وعندما تذكر "لكن " يتلوها ما لا يسر , أخوها وشقيقها وإبن أبوها وأمها... لم يشأ أن يتركهما وأصر على أن يخرب هذا العُش , هي الأن مُطلقة ولم تكمل بعد عامها الخامس والعشرين ... مُطلقة , أصبحت في نظر المجتمع تلك المُطلقة لأسباب يجهلونها هم ويحاولون أن يحزرونها .
جُل وقتها تقضيه منهمكة في القراءة و تدوين الملاحظات و الإستماع إلى أغنيات لا تخلف إلا ألماً كما تمر عليه الساعات بين أرفف المكتبات ,بين الصفحات والسطور و بين صفحات الإنترنت بين مسارات حاسوبها الصغير وكأنها تختبأ في كل هذا من الحياة من البشر, هي الأن بين أكناف قسمها الذي عشقته دوماً " علم الإجتماع " وأكثر ما تمقته الأن هو .. المجتمع بكل مافيه ,ماذا يعني المجتمع غير مجموعة من الترهات ,  ترى الأن الوجه الآخر من المجتمع , الوجه الأسود القاتم الذي يراقبها كفريسة لينقض عليها وينهش فيها كل يوم, كل ساعة , كل لحظة, ذلك الوجه الذي طالما قرأته في كتب ِقسمها وبين أرفف مكتبتها العامرة بمؤلفات ابن خلدون و أوجست كونت وماكس فيبر وغيرهم ,كفرت بعلمها وليست إلا مجرد إمرآة فشلت في إرتباطها بمن أحبت فقط وجدت نفسها في مواجهة رسالة ماجستير موضوعها فشل الزيجات في المجتمع وأسبابه . -------------------


النص الأول من رواية " نون " لسحر الموجي
الأغنية " معنى حبي " لأنغام

Saturday, June 04, 2011

بلــدي وإن جــارت


 كانت هناك على ناصية الشارع تلقي مجنزرة بثقلها على الأسفلت الذي لم يعتاد على جنازيرها الثقيلة وعليها بضعة من العسكر بزيهم اللافت للنظر
, أصطدم بناظريه ذلك المشهد في صباح السبت الباكر عندما فتح نافذة غرفته , تذكر أياماً شاء أن ينساها دوماً ولو كان بيديه لمَحاها من الذاكرة ..

جندي طبيب
.. أحمد محمد عبد الحي محمد
أفنـــــدم
سين أربعة طب .... تعالى هنا
كان مايزال جندياً مستجداً ولم يعرف شيئاً  وصراحة لم يرغب أن يعرف ما هية تلك السين أربعة التي نطقها الصف الواقف على رؤوسهم , كما لو كان واقفاً في سوق نخاسه , الأفضل في تلك الظروف كما تراءى له أن يظل هكذا منتظراً المجهول كما هو بخيره أو بشره , لا يسأل ولا يستفسر عما سيحدث غداً فقط هو يسير في الركب , على عكس آخرون أعتبروا أنفسهم يُساقون ......

أنتقل أخيراً إلى وحدته تلك السين أربعة التي تشكل نقطة منسية في الكون ..أو نقطة سوداء في بحر من الرمال المتلاطم , كانت المرة الأولى التي يرى فيها دبابة عن قرب ذلك الكائن الثقيل الذي كان يترك غمامة في نفسه بمدفعها الشامخ في السماء الذي يعلن عن وجودها وقسوتها الغير مبرره أبداً , مختبراً بذلك خاصية إنسانية صميمة في ذاته ألا و هي التكيف على كافة أشكال الحياة القاسية والتي أبقت الإنسان حتى الأن عى وجه الأرض , ها هو يختبر تلك النظريات على أرض الواقع , يبدو الأمر كابوساً في البداية ولكن مع مرور الوقت يصبح جزءاً من المكان و يصبح المكان جزءاً منه , كأنه ينحت داخله خصائصه المقيته ويتشكل داخله حتى يظن أنه سيبقى في ذلك المكان إلى أبد الأبدين.

تلك النظرة التي رأها في عين إبن أخته ذو العشرة أعوام كانت تختلف تماماً عن نظرته أول مرة لذلك الكائن الثقيل ... الدبابة , كان الصغير ينظر إليها نظرة إجلال غير عادية كأنه يرى شيئاً خارقاً للطبيعة , طلب منه الصغير أن يحمله ليجلس على جسدها البارد الصلب , ولم يشأ هو أن يقترب أكثر , كأنه كان يخشاها ولكنه رضخ في النهاية ..... " بعد إذنك يا ..... " وفكر في ثواني .. كان يمقت تلك الكلمة" دفعة "...  لم يكمل عبارته و أبتسم له الجندي المصلوب على المجنزرة و أومأ برأسه .. أراد الصغير أن يظهر معه في الصورة . "إلا هذا الطلب " ألتقط له الصورة سريعاً والطفل لم يرفع نظره عن صديقته " الدبابة " الذي تمنى أن يقتنيها كلعبة خاصة به بجانب طائرته النفاثة الموضوعة على رف ألعابة.
كانت حرباً بكل ما تعنيه الكلمة , قتلى و جرحى ورصاص حي وقناصة و مولوتوف ... ودماء يضج بها المكان لتصبح رمزاً أو علامة تلتصق بالذاكرة ولا تبرحها أبداً , كان قد جاء بالأمس بعد أن دعاه صديقه وزميله في المستشفى الواقعة في حي من أحياء القاهرة المُعدمة , هناك في وحدته العسكرية قبل سنوات كان أقصى ما يتعامل معه جرح سطحي نتيجة آلة حادة أصابت أحد الجنود أثناء صيانة أو ما شابه أو حتى إغماء أصاب جندياً من حرارة شمس لا ترحم .....أما الأن رؤوس مهشمه وعظام مفتته وعيون مفقوعة, كانت لحظات صعبة الإدراك بالنسبه له ... أنتصف النهار وهدأت الشمس ولم تهدأ وتيرة الأحداث في هذا اليوم الدامي , الساقطون في تزايد ... وهو و زملاءه يلهثون لمحاولة الإبقاء على أنفاس أخيرة متصاعدة  هناك في "وحدة الجبهة" في الميدان هكذا أسموها كانت قريبة من المتحف حيث يتوالى البلطجية كسيل جارف من تلك الثغرة ويهاجمون المتظاهرين بجميع أشكال المقذوفات .


هناك أحداث لا يستطيع الزمن أن يحتويها , تكون أكبر من أبعاد الزمان والمكان , تتفرد تلك الأحداث بتصاعدها وتلاحقها وكأنها ترغم الزمن أسيراً لديها تسوقه أينما شائت وكيفما شائت على عكس المعتاد , كأنما تسوق وتُسيّر الزمن , كأن الأحداث هي النهر  والزمن هو السفينة , تلك الأحداث تبقى حية إلى الأبد برغم إنتهائها , تبقى داخلنا وتشعر أنها مستحيلة أن ندركها بالكامل وأحياناً تعجز الكلمات عن وصفها .. وإن أدركنا أو وصفنا فالبعض وليس الكل فنحن نعجز عن وصف الألوان , عن وصف الأحمر أو الأسود , عن وصف الحب , عن وصف الشجاعة ..... عن وصف البسالة التي تجلت أمام عينيه في شعب , كأن هذا الشعب غير الشعب الذي يعرفه منذ أدرك الحياة منذ أدرك هذا الوطن وأدرك شوارعه بالسائرين المنصهرين فيه , كان يرى في عيني ذلك الشاب قوة ما خفية ... كأن داخله كائنٌ أسطوري ككائنات الرخ والعنقاء , إنها المرة الثالثة الذي يأتي له فيها بجرح أخر ينزف في مكان مختلف  , يلتقط الطبيب الشاب أداته التي بردت قليلاً بعد أن ألهبها ببعض الكحول الذي أشعله ليطهرها و بيدين مرتعشتين بدأ في خياطة جرح قطعي في الرأس , وأنهي " أحمد "على عجل خياطة الجرح ليعود الشاب مرة أخرى لميدان المعركة .... حيث أطفال في عمر الزهور يحملون الحجارة إلى المتظاهرين على الجبهة ... وحيث أمرأة تملئ زجاجات الماء وتخترق الصفوف الأمامية بها لتسد رمقاً جافاً ... وحيث هناك يُجلون مصابين إلى النقط الطبية ... وحيث أطباء إستشاريون وجراحون كان فقط يتمنى أن يقابل أحدهم في أحد أروقة المؤتمرات ليسلم عليه فقط .... إنها ملحمةٌ تجلت أمام عينيه ... ملحمة لن تتكرر يتذكرها كلما نظر إلى ذلك الجرح الذي أكتشفه في نهاية اليوم ولم يشعر أصلاً به عند الإصابه .



وضع بضعة ورقات من فئة المائة جنية في جيبه وشق طريقه هو وصديقه بعد أن حصلا على قبض شهر متأخر وتركا المستشفى المغلقة تقريباً إلا أقسام قليلة بعد هجوم بلطجية بالأمس إثر موت أحدهم نتيجة أعيرة نارية في مشاجرة في الجوار , وأنطلقا إلى أحد مختبرات التحليل لإجراء فحوصات مطلوبة قبل السفر بعد أن أقنعة صديقه بأن هناك مركزاً طبياً في دولة خليجية في حاجه ماسة إلى تخصصه ... كان "أحمد " يسير معه على مضض وهو يتردد تارة ويرفض تارة ويقتنع بوجهة نظر صديقه الذي يشجعه على السفر معه حيث ان البلد " حالها واقف " ومر شهر على الثورة والأمور تسوء , هو لا يفكر الأن إلا في هناك ... عقله ووجدانه تركه هناك بجوار المتحف وعند المسلة وفي المستشفى الميداني في المسجد  , وجوه الشهداء ونظرات المصابين التي كانت تائهة وموقنة في نفس الوقت , كان لأول مرة لا يشعر بإمتعاض من إرتداء معطفه الأبيض طوال الوقت أو حتى بقطعة الورقة التي لصقت على صدره " د/ أحمد    جراحة  "  ذكرته بأخرى كانت موضوعة أيضاً على صدره ولكن حينها نزعها خجلاً بعد أن أنطلق مع زملاءه ليقوموا بتنظيف الصرف بالأمر .

" أحمد ؟"
" ها .....؟  ماذا ؟"
" هل أنت بخير ؟"

أحياناً يكون التفكير قاتلاً ... كان كذلك مع "أحمد " .. كان شغله الشاغل ذلك القرار الذي أعتبره مصيرياً .. تذكر ذلك الشاب الذي يسكن داخله الرخ والعنقاء والذي جُرح لأول مرة فوق الحاجب  ... ومرة في رسغه الأيمن .. والمرة الثالثة  كانت
في رأسه .. أيقن وقتها أن هذا الشعب غير عادي .. خارق لكل قوانين الطبيعة هل يقول فقط هكذا لأنه ينتمي إليه ؟  هل هناك شعوب أخرى خارقه للطبيعة وللتصور ... أللإستبسال والإندفاع للموت بصدورهم العارية معنى آخر غير ..... مِصري , أم أن تلك هبة للإنسان أجمع .... صدق الرسول ....." لقد قررت ...... لن أسافر ...... ؟"

نظر إليه صديقه وهو في حالة صمت مطبق ... وملامح متجمدة

" أحمد ....... عليّ أن أقول لك شيئاً

.......

نتيجة الفيروس إيجابية .

Thursday, June 02, 2011

خـــــفوت مــؤقــت

 
يترك مصحفاً وعباءة ومسبحة خشبية , ويذهب الى صلاة العشاء ,ليصلى الفجر ويعود شهيداً... يمتلك صوتاً أعلى من صوت الرصاص, تتسع ارادته لتنطلق وتشمل قطاعاً بل لتشمل وطناً , برغم كرسيه الذي اعتاد عليه منذ سنين ولكنهم كلفوا انفسهم الكثير ليتخلصوا منه 

ما بال طفلاً لا يهتم الا بألعابه ومدرسته , ما وجه الضرر الذي يمثله طفلٌ مازال يخطو خطوات قليلة في حياة قاتمة , حياة من خلف المعابر و السياج , حياة تُشكل على هدير الرصاص و أزيز الطائرات الأمريكية الصنع , حينها قبض على أصابع يد أبيه , وكأنه لا يريد أن يتركها أبداً, وجد الأب نفسه أعزلاً عارياً وحده أمام رصاص كأنها حدايات لا تفرق ...شكل نفسه درعاً واقياً لجسد طفله الهزيل. 


  كأن هاجساً يطارده بقرب النهاية ,أراد أن يُطل على قريته البعيدة, كانت الأمور قد ازدادت سوءاً في الأيام الماضية ... فقد أعتقل الكثير وزُج بهم في السجون وتُرك هو وحيداً , وحيداً ليواجه قدره , نعم كان قوياً وصلباً ولكن الضربة هذه المرة كانت قاصمة, يتمنى الأن فقط أن يرتمي بين أحضان مُعلمه و أبيه , مرشده ومن أتكأ عليه , تمنى فقط أن ينحني ليمرر كف ابيه على وجهه , ليشتم رائحته التي تعيده الى أزقة قريته الضيقة و ركضه فيها , صحبته , مسجدها الصغير الذي شهد صلاته الأولى واستمعت جدرانه لترديده آيات من الكتاب

تتباطئ دقات القلب .... وتبدأ شعلة الحياة في الخفوت رويداً رويداً .. رغم أنهم يظلون

Wednesday, June 01, 2011

نحن لا نحارب طواحين الهواء... بل نحن في إنتظاره


  هناك قاعدة هامة جداً في تاريخ الشعوب تؤكد أن هناك علاقة طردية بين التقدم والرقي الحضاري ونظام الحكم , ومن خلال قراءة متأنية وموضوعية للتاريخ الإسلامي نجد أن الخلافة الإسلامية التي أستمرت قرون من الزمان وأتحد تحت رايتها المسلمون , هي ليست إلا شكل من أشكال نظم حكم الشعوب التي كانت متعارف عليها حينها , وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل بأن الخلافة الإسلامية لن تستمر على نفس النهج الذي أسس له وقد ورد هذا في احاديث كثيرة عن الذي لاينطق عن الهوى ومنها هذا الحديث التفصيلي الذي يوضح نظم الحكم المختلفة 

" ‏تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا ‏ ‏عاضا ‏ ‏فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا ‏ ‏جبرية ‏ ‏فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت " رواه أحمد


وكلمة عاضاً أو عضوض في المعجم تعني   فِيهِ عَسْفٌ وَظُلْمٌ  " الْخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ عَضُوضٌ " أي أن هذا الملك الذي أستمر لقرابة قرون كان فيه عسف وظلم وهذا لا يعني مطلقاً أن حكم الخلافة الأموية والعباسية وما تلاها كان كله عسف وظلم وكان حكماً دموياً طوال أربعة عشر قرناً ,إذاً هناك فرق بين أن جزء منه فيه عسف وظلم و ان كله عسف وظلم
نستنج من ذلك أنه كان هناك  حكم رشيد و خلفاء عادلون قادوا العالم وصنعوا حضارة كانت سابقة لعصرها وشيدوا مدناً كانت قبلة لسائر البشر وشجعوا علوماً أنارت وما زالت تنير العقول , إذن هي حقيقة أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخلافة الراشدة كانت ثلاثون عاماً فقط ومن بعده يكون حكم في عسف وظلم أي فيه قتل ودم وفتن وليس كله .

عثمان بن عفانمن الظلم أيضاً أن نتجاهل حضارتنا الإسلامية الذي أجلها واحترمها الغرب ونعتبر تاريخنا الإسلامي بالكامل تاريخاً دموياً قائم على الصراع على السلطة , فقد كان هناك حكاماً لهم ما لهم وعليهم عليهم كأي بشر يخطئون ويصيبون , فعبد الملك بن مروان الذي حارب الصحابي عبدالله بن الزبير ونحن هنا بمنأى عن الدخول في مهاترات فات أوانها ولم يعد يجدي النقاش فيها , ولكنه في نفس الوقت بنى المساجد والمدارس ودور العلم وصك النقود وعرب الدواوين , وسار على حذوه كافة الخلفاء من بعده حيث اتسعت الدولة الإسلامية لتصبح من اقوى الإمبراطوريات في العالم حينها واكثرها ازدهاراً في العلوم والفنون والثقافة , كما أنار الإسلام مدناً لأول مرة في أوروبا وآسيا .


اما بغداد والتي إذا زرتها تكاد تنطق حجارتها بمجدها التليد , تكاد تنطق بغداد بحاكم رشيد أسس للعدل والإسلام , تكاد تنطق أرصفتها وشوارعها بأقدام وطائتها من سائر أنحاء العالم لتنهل من انهار العلم والفن والثقافة , تكاد تنطق جدرانها بما شنفت أذانها من نصوص ومعادلات وألحان فتحت الأذهان قبل أوانها , نعم كان هناك فتن وحروب ولكن كان هناك حاكم كهارون الرشيد الذي تعمدوا تشويهه رغم أنه نقل لنا انه كان ورعاً وكان يصلي مائة ركعة في الكعبة , وفي عهده وفي عهد غيره كانوا يحتفلون بأعياد المسحيين بل أرتقوا في المناصب والدرجات كغيرهم , ألا تعتبر تلك أزهى عصور المساواة والعدل وإلا ما كان الخليفة المنصور لقب " بأبي النصاري " بعد علاقة وطيدة مع بطريرك مسيحي حينها , ألا تعتبر تلك أزهى عصور التعايش والتي أحتضن  فيها الشريعة الإسلامية كافة الأديان سماوية وغير سماوية بل حتى الوثنية منها عبدة الأفلاك والنجوم , وكان حاخام اليهود في بغداد رأسًا للطائفة اليهودية في العالم أجمع , ولم تجبر قبائل مسيحية عربية على الدخول في الأسلام , وبنيت في بغداد قلب الخلافة الإسلامية الكاتدرائيات في حين أنه لم يُبنى مثلاً حينها مسجداً في "آخن" وهي مدينة ألمانية كانت مركزاً لحكم شارلمان إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة وبمناسبة ذكر شارلمان هناك قصة مشهورة جداً تبين التقدم الهائل الذي كان يحظى به المسلمون حيث أرسل الرشيد هدية ساعة مائية إلى إمبراطور الروم وكانت الساعة في منتهى الدقة تحسب الوقت بالثواني فحسبها شارلمان سحراً ومكيدة , هذا الزمن الذي لم يتكرر وكان المسلمون يعدون رعباً للإمبراطوريات الأخرى وكان أباطرة العالم يأتون ليعقدوا الإتفاقيات لدرء شرور المسلمين عنهم بل ويدفعون لهم الجزية , أتدري لماذا لأن المسلمون كان قد توحدوا تحت راية الإسلام الذي يهان الأن ويُقتل المسلمون وتتعالى صراختهم في انحاء العالم و لا مجيب ألا تتذكر عبارة " ومعتصماه " ألا تتذكر رد هارون الرشيد على إمبراطور الروم حين نكص بوعده واتفاقه فبعث له هارون قائلاً " من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام".

هذه الحقيقة التي يعلمها القاصي والداني , الصغير والكبير , مستشرق كان أم مستغرب , نحفظها نحن المسلمون عن ظهر قلب كما حفظنا حديث الرسول الذي ذكرته سابقاً والذي يؤكد أن الخلافة عائدة شئت أم أبيت وخلافة ليست كخلافة الامويين أو العباسيين بل خلافة على منهاج النبوة يكون أساسها الإسلام القويم , فقط البعض نسى أو تناسى تلك الأمجاد بل يريد أن يمحوها من الذاكرة بإدعاء أنه تعلق بوهم أو محاربة لطواحين الهواء , بل أنت من تحارب طواحين الهواء بإعتقادك بان الحل هو المدنية والديمقراطية في حين أن الإسلام يشمل كلاهما وهو الذي رفع من أتخذوه منهجاً رفعهم إلى أعلى الدرجات وجعلهم يسودون العالم بالرقي والحضارة وليس بحد السيف , فهذه المدنية والديموقراطية منقوصة وما هي إلا لعبة يستخدمها الغرب للوصول إلى مأربهم وإلا ما كانت جثث الأبرياء تناثرت في أنحاء العالم بإسم الديموقراطية , أليست الديموقراطية تلك هي التي تغمض عيونها عن قتل هنا و ترصد بنفس العين تعدياً على حقوق الإنسان هناك , لماذا صمتت ديموقراطية الغرب طوال عقود عن التنكيل بالفلسطينيين في حين لم تتراجع لحظة في احتلال العراق وأفغانستان , لماذا لم تصمت ديموقراطية أمريكا عما حدث في مصر وطالبت بإنتقال سلمي وفوري للحكم في حين خرست عما حدث في البحرين واليمن أو حتى السعودية , إنها الديموقراطية , ديموقراطية تشبه تفاحة مغطاة بالعسل المغري في حين أنها من الداخل عفنة وتفوح بالروائح الكريهة , أليست تلك الديموقراطية .

عرفت الأن لماذا هم يخافون من الإسلام ويحاربونه في أرجاء المعمورة , لأنهم لا يريدون حاكماً مثل المعتصم أو الرشيد أو حتى حاكماً مثل عثمان بن عفان الحيي " ذو النورين " الصحابي الجليل الذي نعتّه بعدم العدل في حين أن هناك حديثاً عن الرسول أشار إلى أنه يموت شهيداً عوضاً على أنه من المبشرين بالجنة ولا يدخل الجنة إلا مؤمن فكيف لا يكون عادلاً, و
الذي جنى على عثمان هم كما قال  كبار المؤرخين أقاربه الذين كان يحسن إليهم. وقد أجمع أهل السنة على أن  عثمان كان إمامًا ب‏إجماع الأمة وأنه قتل ظلمًا، فإن كان في الأمة من استحل دمه فقد كفر‏.‏
  عن أنس رضي الله عنه قال: صعد النبي (صلى الله عليه وسلم ) أحدا ومعه أبوبكر وعمر وعثمان، فرجف، فقال: اسكن أحد  "أظنه ضربه برجله"  فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان .
هذا هو الإسلام الذي نريد تطبيقه وهذه هي الخلافة التي نريد إستعادتها , خلافة الرسول والصحابة من بعده , وليس بالتأكيد خلافة فيها عسف وظلم , أياً كانت المُسميات ولكن نريد إستعادة أمجاد الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون , نريدها دولة تطبق الشريعة الإسلامية , الشريعة التي شجعت العلوم والفنون والثقافة , الدولة التي جعلت من اليهود وزراءاً ومن الصابئة قضاة , هذا هو الإسلام الذي نريد تطبيقه إذن نحن لا نحارب طواحين الهواء بل نحن في إنتظار جودو " مسرحية الأيرلندي صمويل بيكيت الشهيرة ولكننا نعلم أن جودو  قادم لا محالة والفرق الجوهري أن جودو لا يأتي في المسرحية برغم إنتظار كلا الشخصيتين لجودو وثقتهم الشديدة في قدومه ولكنهم ييأسون في النهاية ولكن نحن لا نيأس.... هو قادم بشكل أو بأخر .... قادم... الإسلام قادم بإذن الله.

Wednesday, April 13, 2011

مُستَفتَح الكَلِم " ليتَ شعري مَن يقتلك بَعدي؟


هنا لثمهُ جده لثمة مازال يتحسسها على خديه و من هنا كان يهدهده جده ويحمله بحنو ويحتضنه , ما زال يتحسس بشرة الجد الناعمة , رائحته الذكية التي كانت تنبعث من بين ثناياه , ملاطفته له هو وأخيه , كانا هو وأخيه قرتا عينيه وريحانتيه , يحملهما فوق كتفيه , ويلثمهما , ويطوقهما بذراعيه , وإن بكيا تأذى , هو من أسماه حسيناً, مازال يتحسس يديه الشريفتين وهما يربتان على كتفه ويفركان رأسه مداعباً إياه , كان  يركب على ظهره الشريفة في طفولته كان يمشي بهما على اربع ويقول ، نعم الجمل جملكما ونعم العدلان انتما , هو الأن يقف ومن وراءه أهله وبنيه في صحراء شاسعة وقد أشتد عليهم القيظ من بعد حصار شديد , يقف الأن ومازال وجه النبي يمر عليه بين الحين والآخر , صوته وأبتسامته الصبوح.
سقطت دمعة حارة لتسيل على خد لثمه نبيّ يوماً, وبعد أن تساقط أقرب الناس إلى قلبه أمام ناظريه , جعفر وعتيق ومحمد وابنه الكبير علي، وابنه عبد الله ومعظم رجاله , وبعد أن حرقوا خيام نساءه , تقدم بفرسه وأمامه أخوه العباس حاملاً اللواء تاركاً نساءه , بنات النبي , ولكن إرادة الله تسيّر الأمور إلى حتفه وإستشهاده المحتوم فبعد أن سقط العباس . هاهو الحسين وحيداً في الميدان و قد علم أن النهاية قد أقتربت , النهاية التي كان متيقنا منها كما تيقن جده قبل سنوات طويلة , هناك بعيداً عن حجرته النبوية , بعيداً بلاد الأنصار , هناك قريباً من بلاد الفرات , هناك عند كربلاء.

"كان النبي صلى الله عليه وسلم نائما في بيتي فجاء الحسين يدرج قالت: فقعدت على الباب فأمسكته مخافة أن يدخل فيوقظه قالت: ثم غفلت في شيء فدب فدخل فقعد على بطنه قالت: فسمعت نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت فقلت: يا رسول الله ما علمت به فقال: إنما جاءني جبريل عليه السلام وهو على بطني قاعد فقال لي: أتحبه ؟ فقلت: نعم قال: إن أمتك ستقتله ألا أريك التربة التي يقتل بها ؟ قال: فقلت: بلى قال: فضرب بجناحه فأتاني هذه التربة قالت: فإذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول: ليت شعري من يقتلك بعدي"   **

ثلاثة وثلاثون طعنة في جسد هدهده الرسول الكريم بيديه الكريمتين , أجتذت رأسٌ كان محياها يدخل السرور في نفس الرسول , هو من قال "  أحب الله من أحب حُسيناً"  وقال لنساءه والحسين مازال طفلاً " لا تبكوا هذا الصبي". الألم يكون فقط عند البداية , عند أول طعنه و أول قطرة دماء , أنسابت الدماء وأنسابت معها رائحة أخرى , غريبة وبها شذى لم يشتمه أبدا على وجه الأرض , إنها رائحة الجنة , عند أول طعنة للحسين عليه السلام شعر حينها بقرب رؤياه لجده الذي استوحشه . 

كانت ثورة ضد الظلم ميدانها صحراء شاسعة , أنتقلت تلك الصحراء إلى ميادين وشوارع وقتل ملايين من الحسين عليه السلام , ممن وقفوا في وجه القمع , وقفوا بأجسادهم ليتحملوا ألم البشرية جمعاء , الظلم واحد وان اختلفت اشكاله والشهيد واحد أيضاً , كأنني كنت أرى الحسين بوجهه يُطل على الميادين والشوارع , كأنني رأيته على صهوة جواده يخترق الجموع شاهراً سيفه , هي نفسها الدماء , دماء الحسين التي سالت هنا وهناك في تونس واليمن و ليبيا  والجزائر والمغرب والسعودية وسوريا والعراق وسوريا والبحرين وعُمان ..... إنها نفس الدماء التي سالت من نفس الجسد وبنفس اليد الآثمة .
أسمع الحسين عليه السلام وصوته يتردد في جنبات الميدان ليقول : 
  ليس شأني شأن من يخاف الموت ما أهون الموت علي في سبيل نيل العز وإحياء الحق ليس الموت في سبيل العز إلا حياة خالدة، وليست الحياة مع الذل إلا الموت الذي لا حياة معه، أ فبالموت تخوفني هيهات طاش سهمك وخاب ظنك لست أخاف الموت إن نفسي لأكبر من ذلك وهمتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفا من الموت وهل تقدرون على أكثر من قتلي مرحبا بالقتل في سبيل الله ولكنكم لا تقدرون على هدم مجدي ومحو عزي وشرفي فإذا لا أبالي بالقتل.و هو القائل: موت في عز خير من حياة ذل، وكان يحمل يوم الطف وهو يقول: لو كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي يا سيوق خذيني.

كان طالباً ذو تسعة عشر عاماً يدرس الحقوق في مدينة الثغر الأسكندرية , سماه أبوه حسيناً كجده الذي سُمي أيضاً حباً لسيدنا الحسين, ربما يكون حسين طه حسين قراً عن حفيد الرسول الذي استشهد في صحراء الطف هو و اخوانه وبالتأكيد لم يتخيل أنه هو الآخر سيقتل غدراً برصاصة بعد آداءه للصلاة في مسجد القائد إبراهيم يوم الجمعة , كلاهما قتل غدراً وظلماً وعدواناً , كلاهما قتل بدم بارد , كلاهما شهيد بإذن الله , قتل حسين الصغير الغض ولم يكن إماماً أو حفيداً للرسول , لم يكن متوجهاً الى الكوفة لنصرة من استنجدوا به , وكما حزن وبكى الرسول على الحسين , بكته امه واعتصر قلبها كمداً.... وها هو حسين طه حسين ينطلق نجماً في السماء .
نجماً بين نجوم زينت سماء شاسعة , نجوم متوهجة بإستمرار ولا تنطفأ وكذب من ادعى أنها تنطفئ بل هم أحياء عند ربهم , نجوم تتزايد كل يوم لتضيئ لنا طريقاً مظلماًحسبنا أنه أظلم للأبد , نجومٌ برغم تباين أحجامها ولكنها في النهاية لها نفس الوهج الذي يترك أثراً ذو شجون .
----------------------------------------------------------------
** الحديث :
الراوي: أم سلمة - المحدث: البوصيري - المصدر: إتحاف الخيرة المهرة - الصفحة أو الرقم:  7/238خلاصة - حكم المحدث: سنده صحيح

Tuesday, March 29, 2011

- معطف من قيود - الجزء الثامن

 مــعـــطـــف مـــن نـــوع آخــــر
كأنه صادق حانات وكؤوس النسيان , يعود كل ليلة إلى غرفته المعتمة التي عششت في جوانبها خيوط العنكبوت , كروحه تماما , تجد الكتب المتراصة كأنها تجذب الغريب أن يرفعها , ينفخ الأتربة من فوق الغلاف , ويقلب بين الصفحات التي ما أن يفتحها , تهاجمه رائحة الأوراق العتيقة , الأوراق الصفراء الشاحبة التي تاهت بين سطورها الكلمات.
كاتب قصص , نعم هو كاتب قصص وحكايات , يعشق البوح , يعشق أن يخلق أبطاله ويزج بهم في أحداث تحركهم وتدفعهم دفعا, يتحكم بمصائرهم ويقرر سعادتهم وبؤسهم , أبطال على الورق , يشكلهم من الحروف والكلمات على هواه, هنا على مكتبه بين أقلامه وفي غرفته المنعزلة عن ضجيج الكون , يجلس بين أبطاله و يشعر أنه الآمر الناهي , هنا فقط وليس في أي مكان آخر.
بالتأكيد قصاصاته لا تأمن له خبزاً كافياً يقتات عليه , بل له وظيفة أخرى لايحبها ولا يحب ذكرها أبداً بين أصدقائه , قالوا يعمل  نادلاً في خمارة يقدم كؤوس شراب  , وقالوا يعمل في مكتبة عتيقة في مصر القديمة مع كهلٍ نساه الزمن , وقالوا يعمل مع طبيب للأمراض النفسية والعقلية كتمرجي , قالوا وقالوا كثيراً ولا أحد يعلم الحقيقة أين ؟ ... يستيقظ مع انسحاب آخر أشعة للشمس , ليبدأ رحلة ليلية يعود بعدها مع شمس الصباح ... وهكذا دواليك .
الإنسان كائن محبٌ للبوح ... عاشق ومتيم ومجذوبٌ بالحكايات حتى لو كانت أساطير وخرافات , ولكنها تومض أجزاءاً في سبات عميق , عندما تبدأ في سرد حكايتك , تجدهم قد أودعوا لديك أذانهم وخيالهم ... تتسارع نبضات قلوبهم عندما تقترب الأحداث من ذروتها , من اللحظات الفاصلة , تجدهم قد قدموا لك دموعهم تأثراً بشخوص في خيالك أنت , ولكنك كأنك تزرعها في خيالاتهم , لتجعل تلك الشخوص من لحم ودم , كأنك تصورها أمامهم وهم يمارسون حياتهم اليومية , هنا يجتمع أفراد أسرة يتناولون وجبتهم الآخيرة وهم لا يعلمون ذلك , وهنا فتاة في العشرين تقف خلف النافذة ولا تعلم أن حبيباً يطرق الأبواب الأن ,ليأخذها إلى عالم حلمت به منذ أمد , وهنا سائق عربة لا يعلم أنه سيعود إلى بيته ليجد زوجته تبشره بآمال تعاود من جديد .... لا تنتهي الحكايات , هي مستمرة بإستمرار الحياة , كأننا نعيش حكاية كبيرة نحن ننسجها ولا ندري , نعيشها ولا نعي ما تخبئه بين ثنايها , كأن تلك الحكايات نتوارثها كجينات داخل خلاينا من جيل إلى جيل إلى يوم الدين .
وضع القلم وآخذ يرسم في خياله تلك البطلة كأنها مركزاً لمجرة جديدة ولكنها على الورق , تدور في فلكها الأحداث والشموس والكواكب والأقمار والشخوص في دوران لامتناهي , فبعد أن كتب مقدمة بسيطة عن البوح والحكايات , آخذ في تشكيلها ونحتها كأنها تمثال لأفروديت أخرى , آخذت تتعاظم وتتعاظم حتى ......... طرق شديد على الباب , الساعة الأن تقارب السادسة صباحاً , من ياترى يطرق الباب في ذلك الوقت , قرر ألا يجيب , ولكن الطرق تزايد , قام في عصبية ليفتح الباب , ليجد صديقاً , يدخله مستفهماً عن سبب زيارته له في هذا الوقت المبكر ... كانت علامات الذعر والإنهاك ظاهرة على وجه صديقه , حاول أن يستفهم , وصديقه يشير له بيده أن ينتظر قليلاً حتى يسترد أنفاسه .........
وضع القلم مرة أخرى , ليست بداية موفقة , أحياناً تهرب منه الأحداث المتلاحقة كما لو كانت فرسه جامحة تطيح بفارسها ولجامه, إما ضعفاً من الفارس أو لجموح الفرسه , نعم لقد نحت تلك الشخصية الخرافية لإمرآة تدور في فلكها الأحداث والشخوص وتوقف عند ذلك الجرف لا يعرف أين يذهب ولا يعرف له سبيل , ينظر إلى الساعة التي قاربت منتصف الليل , يقرر النزول متجاهلاً كل مخاطر تلك الساعة , يرتدي معطفه القديم ويلف وشاحه المغبر , لا بأس من تمشية في شوارع وسط البلد الخالية الآن من المارة , عله يتصيد أفكاراً لحكايته الجديدة , كان يسمع من بعيد ضجة تحملها الرياح مصدرها ميدان واسع ورحيب يعج بالآلاف , لم يلتفت وآكمل طريقه , لم يشعر برغبة في التوجه الى هناك الى حيث اصدقاءه جميعاً , يتذكر تلك الليلة التي قرر فيها أن يبيت هناك , وطاردته الأسئلة كما لو كانت وحوشاً تنهش فيه , كانت النظرات تلتهمه التهاماً وتلقي به في قبو مظلم كالشارع الذي يسير فيه الآن , قطع تفكيره نحيب مكتوم يأتي من آخرالشارع , لم يتبين من أين , ولكنه تخيل أن شخص ما يجلس على الرصيف هناك في نهاية الشارع , لم يتبين ماهيته بسبب الظلام وربما بعد المسافة , آخذ يقترب في هدوء وهو يوقن أن مصدر الصوت ذلك الشخص , وما أن قطع نصف المسافة حتى وجد هذا الشخص, الذي تبين انه آمرأه تنهض بسرعة وتبتعد مسرعة مُخلفة وراءها شئ ما , كأنه طفل رضيع ..... أقترب أكثر وهو يسرع عله يحمل الطفل ويعطيه لأمه , حمل بين يديه ما كان يظن أنه طفلاً ... ولكنه تبين أنه ليس طفلاً ...أنه .. أنه معطفٌ مكوّم .
واضعاً المعطف الذي ظنه طفلاً تحت إبطه وصاعداً السلم إلى غرفته , وما ان دخل إلى غرفته حتى فرَدَ المعطف, وكأنها تجسدت أمامه تلك الخرافية , كأنه يراها الأن وهي تتبختر بمعطف أبرز مفاتنها , بطلته التي نحتها بكلتا  يديه على الورق , كأن المعطف قد صُنع لها خصيصاً هي وحدها فقط , وضع المعطف بحذر على أريكته كأنه يحمل رضيعه الأول ويضعه في سريره الصغير . ووقف هنيهه يتابعه ويتأمله وكأنه فتن به , أبتعد عنه ببطأ إلى الوراء ولم يرفع ناظريه عنه حتى أقترب من سريره , فجلس قليلاً ثم مال بظهره الى الوراء شارداً ومستلقياً على السرير حتى ذهب بعيداً .. بعيداً حيث عالمه .. عالم الحكايات .
لي شئٌ يخصني عندك " هكذا فتح عينيه في وقت مبكر لم يعتاد ان يستيقظ فيه , انها العاشرة صباحاً وقد ذعر على طرق شديد ,ليفتح الباب فيجد حارس العمارة وبجوارة إمرآة فقط ...... هكذا هي امرآة , لا توصف بكلمة أخرى غير أنها امرآة , امرآة بكل ما تعنيه الكلمة .... دعاها للدخول وشكر الحارس , " أعتذر المكان لا يليق كما ترين" .... " لا يهم , لا يهم ولكن لي شئٌ يخصني عندك "
" ها ... ماذا تقصدين " ....... " هذا هو ... النائم على أريكتك" 
" هذا المعطف ... هو لكي "
" نعم هو لي "  وبدأت المرآة في رفع المعطف ولكنه سارع و اختطفه من بين يديها 
" ماذا هناك ... أليس من العيب أن تأخذ شيئاً ليس لك , أنك غريب الأطوار حقاً .. ماذا تفعل ياترى بمعطف نسائي كهذا"
.....
" أتعطيه لحبيبتك ؟ "
" ليس لي أحباب "
" إذن لماذا انت متمسك به هكذا ؟ "
" وكيف أعلم انه لكي ؟"
"هناك حيث الميدان ...ميدان واسع ورحيب يعج بالآلاف, هناك حيث اصدقاءك جميعاً , هناك حيث الشارع المظلم الذي كنت أجلس في نهايته على الرصيف "
ولماذا كنتي تبكين ؟
لا يخصك
" إذن لماذا تركتيه ؟ "
" جل من لا يسهو "
في أثناء ذلك الشد والجذب , كان المعطف يُسحب من بين يديه , ليستفيق فجأه وهي ترتديه , ليرى فيها بطلته التي تحولت فعلاً إلى حقيقة من الورق إلى كائن من لحم ودم , نعم إنها هي مجرة تدور في فلكها الشموس والكواكب والأقمار .
توالت اللقاءات هنا وهناك , كأنه أقتيد في طريق لا يعلم له آخر , طريق يُسمى مجازاً بالحب , أحب بطلته الجديدة , عرف النهار وعرف الميدان وعرف الحرية ,بالتأكيد لاحظ أصدقائه ومعارفه تغيراً ملحوظاً وغير متوقع أبداً, فلأول مرة يخبر أصدقائه أنه يعمل في عيادة لطبيب ليس مغموراً هناك عند أسوار القاهرة القديمة , كان يستيقظ مبكراً ليهجر الليل وكائناته الكئيبة , ليبدأ حكاية جديدة يصنعاها سوياً كأنها عجينة يشكلنها كما يحبان بالزعتر كانت أم بالنعناع , فنجان قهوة صباحية يقلبانه سوياً فتغمس أصبعها ليتذوق الحلاوة ويحدد .. مقطوعة موسيقية يؤلفان نوتة لها سوياً ويرقصان رقصتهما على آلحانها ، هما فقط . نسي المعطف وتعلق بصاحبته التي لايعلم من أين هبطت عليه , لم يستفهم ولم يسئل كثيراً , كأنها هدية من السماء لا يجوز السؤال لماذا ولا كيف بل عليه أن يتقبلها فقط .
وضع القلم أخيراً بعد أن أدرك الأن أنه تمرس في ترويض فرسته الجامحة , تمكن من الأحداث تمكناً تاماً , وأصبح يوجه الدفه أينما يشاء , نظر إلى الساعة التي قاربت على الرابعة عصراً , لتعلن عن قرب مجيئ المرأة ذات المعطف , يفكر كيف غيرت تلك المرآة  حياته من النقيض الى النقيض بدون أن يدري , سلبته عقله وفؤاده معاً حتى بات لا يفرق بين الواقع والخيال , بين مالمسه بيديه وما يدور في خيالاته.
ينظر في الساعة مرة أخرى ليكتشف أنها قاربت على منتصف الليل,ويكتشف فجأة أن المعطف مازال جاثياً بثقله على أريكته لم يتزحزح , أين بطلته وأين ...... 
يبدو ... يبدو أنه تاه في وسط النص في دوامة ..كأنها أحدى المجرات , نعم تلك المجرة التي تدور في فلكها الشموس والأحداث والكواكب والأقمار و الشخوص وكل شئ , إنها تلك المرأة , إنها تلك المجرة , هل أصبح هو الآخر يدور في فلكها بدون أن يشعر , جذبته في مدارها حتى أصبح واحداً من تلك الأشياء ... مجرد شئ , لم يصدق أنه أسر بتلك السهولة , فجأة وبدون مقدمات بات أسيراً لكائن خلقه بيديه .. شكله ونحته كتمثال آخر لأفروديت ... حمل المعطف بين يديه ونزل إلى الميدان باحثاً عنها ... إمرأة ... إمرأة بكل ما تعنيه الكلمة , لم يُدرك أنها لم تخلق بعد لم تخلق إلا في خيالاته , كان مازال مأسوراً بها هائماً على وجهه باحثا عنها بين الوجوه , رفع المعطف عالياً في وسط الميدان وأخذ يصرخ " لمن هذا المعطف ؟ "  ظنوه مجنوناً !  كان الجموع في وادي وهو في وادي آخر, لم يجدها ولن يجدها برغم أن داخله آمل أن يصحو على طرقات سريعة وعنيفة على الباب لتوقظه من نوم ثقيل ليسارع لفتح الباب ويجدها تأتي لتسترد معطفها الذي نسيته في أحد المرات السابقة .
ترك القلم وأحتضن المعطف وقرر أن يخرج من دائرة النص التي صنعها بنفسه وأُسر داخلها ... ليفتح الباب ويسمع من بعيد ضجة تحملها الرياح مصدرها ميدان واسع ورحيب يعج بالآلاف... ويقرر أن يترك نفسه للرياح علها تحمله إلى صاحبة المعطف الذي يحمله.

Sunday, March 27, 2011

مُـــخـــتـــلـف


كنت أسارع الدقائق والثواني , قبل أن ينتقل العقرب الصغير ليعلن منتصف الليل , كانت دقات قلبي قد توحدت مع ساعة اليد في معصمي , أسارع الخطى قبل الثانية عشر , قبل موعد حظر التجوال , أنظر إلى الهاتف الجوال , الذي أستسلم منذ قليل للإنهاك والتعب بعد يوم شاق , أحاول أن أنعشه قليلاً عله يعود , كل ما أخشاه الآن أن يحدث لي مكروهاً ولا أستطيع أن أخبرهم في المنزل عن مكاني , بالتأكيد هم الآن في غاية القلق والفزع , أتخيل أبي يقف أمام الباب , وأمي تبحث في المفكرة عن أرقام أصدقائي لتتصل بهم وتسألهم عني , بالتأكيد سيخبرونها أنني تركتهم منذ أكثر من ساعة , اللعنة على الطرق وخطوط السير المزدحمة قبل ساعات الحظر.
أنها الثانية عشر وأسمع الآن بأذني صوت أبواق عربات دوريات الحظر, وقد بدأت في شق طريقها الخالي والموحش إلا من بعض الهوام و بعض سيئي الحظ مثلي , أركض وأركض في الشوارع الجانبية , تتقافز الأفكار في خاطري  , رؤيتهم لي فقط وأنا أركض كافية لتثير الشك والريبة في نفوسهم , إذاً ماذا أفعل هل أسير بشكل طبيعي , أم ماذا ؟  
أحاول أن ألتقط أنفاسي مختبئاً بجوار صندوق نفايات في زقاق ضيق جانبي , أقرر أن أركض على جانب الشارع وإذا شعرت بقرب إحدى الدوريات , فلأختبئ بسرعة في أحد الأزقة الجانبية,
أسير على الخطة التي قررتها , ركضت كثيراً على الرصيف , وفجأة رأيت أضواء مصابيح عربات الدورية الساقطة على الإسفلت عند التقاطع , تراجعت بخطوات فزعة حتى لا أثير جلبة, وما أن استدرت لأدخل زقاقاً حتى شعرت بكفٍ ثقيلة تدفعني بقوة لأرتطم بالرصيف , أحاول أن ألتفت إلى الوجه , ولا ألمح إلا خوذة صماء ... أرى فيها انعكاس ملامح موجهي المذعورة !

لا أشعر إلا وإبرة تنسحب بعنف من يدي , لأكتشف أني قد وقعت في يد دوريات الأمن , كنت مستلقياً على سطح أملس وبارد و يدي اليسرى مُقيدة في أحد الأعمدة خلفي , جاء أحدهم ليفحص يدي اليمنى ويرفع ذقني إلى الخلف , ويذهب ... لا تتخيلون أبداً كم الأفكار الرهيبة التي كانت تتخبط في رأسي وتتصارع , كانت تتوالد وتختفي كأمواج هادرة تضرب بلا هوادة داخلي مُخلفة رعشة قوية ليست سبباً لبرودة الجو أو حتى السطح البارد الأملس الذي أرقد عليه , قطع شرودي في السقف المصمت أحد الحراس ( هكذا ظننت ) ليفك القيد ويصطحبني إلى غرفة أخرى تشبه غرفة تحقيق , تشبه التي أراها في الأفلام , مصباح صغير معلق في وسطها , مُسقطاً ضوءه في وسط الغرفة .

 في ذلك اليوم عندما عدت بصحبة أبي وأخي , نُهرت كثيراً من كليهما , وما أن فتحت الباب حتى أخذتني أمي بين ذراعيها وتخيلت أنها لن تتركني بعدها أبداً , نظرت لي ولطمتني لطمة خفيفة , كان لها وقعاً أكبر من تلك الضربة التي تلقيتها في الزقاق تلك الليلة , كانت تحاول النظر في عينيّ وأنا أشيح بوجهي إلى الأرض , لا أريدهم أن يروا دموعي رفعت رأسي و كانت تقبض بيديها على كتفيّ وتهزني بعنف " أنت رجل ... أنت رجل ..الرجال لا يبكون " .

لا أنسى أبداً تلك الدقائق الأخيرة في مقر الأمن في تلك الغرفة , رجل في اواخرالثلاثين يجلس على كرسي خلف المكتب الصغير , يشعل سيجارة , يقدم لي واحدة  فأومئ برأسي بالرفض على استحياء و يبدأ في الحديث : أنت تعلم ظروف البلاد جيداً لذا أنصحك في المرة القادمة ألا تتأخر إلى هذا الوقت , تواجدك في الطرقات إلى هذا الوقت يعرضك إلى الإعتقال .
أتهيأ لإطلاق بعض الكلمات ولكنه يسبقني "أعلم أنك لم تقصد ذلك لقد تأكدنا من هويتك " ...... وفي لمح البصر قفز بجسده فوق المكتب ليمسك بذقني بعنف " إذا كان هذا لايعجبك .... هَاجر ..أترك البلاد ..نحن لسنا جالسون هنا لنقبض على أمثالك لنكتشف بعدها أن طفلاً كان يلهو في الشارع لوقت متأخر " ....كان صوته يعلو ويعلو ورذاذه يخترق مسام وجهي بعنف , ترك ذقني وانتفض من مكانه فقمت بدوري لأجده يقبض بيده رقبتي ويدفعني إلى الحائط " إياك ... إياك أن نجدك مرة أخرى حينها لن يعثر عليك أباك أبداً " و سدد في بطني ضربة سقطت على الأرض على إثرها وأنهال بقدميه يركلني في أنحاء جسدي بعنف, وعاد إلى كرسيه لينفس الدخان كما لو كان ثعباناً ينفس سُماً و هو يطلق بعض الضحكات وأناأتلوى من الألم.
هَاجر" تلك الكلمة التي ترددت لأيام داخلي , بل لأسابيع كنت أتحاشى النظر إلى أبي , وهو أدرك السبب , يبدو أنه كان مُتفهماً , ترك ذلك المحقق داخلي أثراً سيئاً لا تمحوه الأيام ولا الأسابيع , كنت لا أطيق النظر في وجه أبي , كنت أشعر أنه يتألم بل يتقطع من داخله , لم ... لم تتلاقى عيوننا منذ فترة طويلة , في تلك الليلة , كنت مستلقياً على السرير .. لم أغفو بعد , وسمعت طرقاً على الباب , أجبت " من ؟ " ..... " أنا ... أنا أبوك " ..بصوت منخفض ومستكين , عضضت على شفتي , ونهضت في بطأ إلى الباب , وأرتميت جالساً وراءه " ماذا تريد ؟ .... أتركني أرجوك ..أتركني الأن , لا أريد أن أراك , لا أريد أن أسمع صوتك ..!؟
أرجوك يا بني .....أ ..أ..أنا أبوك وليس المحقق ...أعلم  أن هذا مؤلم ....؟
أرجوك ...أرجوك إبتعد ...إبتعد ..إذهب بعيداً 
  لمـــاذا "  أطلقها أبي وكأنه يقتلع شوكة من قلبه , أحسست بالألم في بحة صوته المتهدج وهو يمتنع عن البكاء 
ضربت على الباب عدة ضربات ...ونهضت من مكاني وفتحت الباب بعنف 
نظرت في عينيه ..وكأنه تلقى ضربة مني ...." أتعلم لماذا لا أريد أن أراك ...أتعلم لماذا؟  لأنك تذكرني به ..أنت لم تشعر بالإزدراء والقهر والظلم من رجل يحمل وجه أبيك ...لم تشعر بتلك المشاعر التي تدفعك إلى الجنون..أتعلم لماذا ؟ علمت الأن ...بالتأكيد لا تعلم شعور أن يسبك ويلعنك بنبرة صوت أبيك ..؟
علمت الأن ... أن يقهرك و يسبك أبيك 
أنا لست من قمعك أنت تعلم ذلك ... وليس لي ذنب في ذلك , أنت من تسببت بذلك
نعم بالفعل أن السبب ...أنت بالتأكيد لست هذا المحقق أنا أعلم ذلك ولكنك تحمل ملامح وجهه ونبرة صوته 
هذا ليس ذنبي .... هكذا هو العالم , هكذا خلقنا ...كلنا لنا نفس الملامح والصفات والعقول والأفكار والهويّات , والتقاليد و كل شئ ... كل شئ , ألست تشبه أقرانك في سنك , وأمك كذلك , وأختك أيضاً وأخيك وكل البشر من حولنا ... كلنا متشابهون , كلنا نمطاً واحداً , نفكر بنفس الطريقة , ونسلك نفس السلوك , ولنا نفس المعتقد والدين؟
لماذا ؟
لا تسأل ..لن تجد إجابة 

----------
هكذا ولدت في هذا العالم الذي تطابق فيه الجميع ليصبح كأنه نسخة واحدة , فمنذ ان تفتح إدراكي على هذا العالم وانا لم أبلغ اصابع اليد الواحدة , لم اميز أبي وأمي من صوتهم ولا وجوههم أو حتى أشكالهم , وعندما أرتدت مدرستي الاولى كان أقراني متطابقين في الشكل و في الهيئة وفي نبرة الصوت , وعندما كبرت قليلاً علمت ان هناك رقماً وإسماً على يدي اليمنى و أعلى رقبتي مطبوعاً منذ ان ولدت , وأيضا بطاقة هوية معلقة في الرقبة ...هكذا أعتدت على هذا العالم المتطابق, فكلنا نمتلك نفس الافكار والتقاليد والمبادئ , لذا اعتدنا على التطابق الذي وهبنا الراحة , هم كانوا يقنعونا بذلك في المدارس والجامعات, ان التطابق نعمة وميزة , لأن الإختلاف يسبب لنا الكثير من المشاكل والكوارث , وكانوا يبرهنون على ذلك بالآخرون ,  ولم يعطونا تعريفاً محدداً للآخرون ,  فقط أخبرونا انهم يقتلون بعضهم البعض , بل أنهم سينقرضون في النهاية بسبب إختلافهم , وقالوا أيضاً أننا تعرضنا لغزو ما تسبب في شذوذ بعضنا في أفكاره أوحتى هيئته , فأصبح مريضاً " بالإختلاف "؟
كان ذلك منذ سنوات طويله , سمعت أن النظام قاوم ذلك و نجح بالفعل في القضاء على معظم المختلفين عن طريق محاكم التفتيش التي كانت تعدم كل من يُتهم بالإختلاف , فكانت تهمة واحدة بالإختلاف من أحدهم كفيلة بالقضاء عليك انت واسرتك , وان كان القضاء على المختلفين من حيث الشكل كان سهلا ولكن كان القضاء على هؤلاء المختلفين من حيث الأفكار كان صعباً ,هكذا خلقنا نرفض الإختلاف بعنف ,لاننا أعتدنا على التطابق في كل  شئ 
منذ أن يولد الطفل الصغير وتولد معه مشاعرٌ تغرس في قلب أمه , تميز طفلها بين العشرات برغم تطابقهم في الشكل , هناك رابطة غيرمرئية ما تربط بين أفراد العائلة الواحدة , فأنت لا تميل إلى احدهن لأنك أعجبت بملامحها ,بل لأن هناك قوة خفية تجذبكما سوياً .
أعتدت تلك الحياة ورتابتها , فكل شئ هنا متطابق يسير على نفس المنوال, فالبنايات هنا ذات نفس الطراز حتى الطرق والمركبات والملابس , هنا لا مجال للإختلاف ولا مجال للتميز, لا مجال للشذوذ عن القاعدة, تلك القاعدة التي خرقتها تلك الليلة وأنا أركض في الشوارع عند منتصف الليل , هنا مقرات علاجية للمختلفين , فهنا أضحى الإختلاف مرض , والمختلفون مرضى ...؟
--------------------------------------------------------------------
أنتهت القصة ولم ينتهي عالمنا من إختلافه وتباينه منذ أن هبط آدم عليه السلام من الجنة لأنه أختلف, وسفك الأخ دم أخيه لأنه أختلف معه , وأختلف كل الأنبياء مع أقوامهم فإما أهتدوا وإما ذهبوا بغير رجعة , وأختلفت الشعوب مع حكامها فقامت الثورات , وأختلفت الدول فقامت الحروب , وأختلف رجل وآمرأة .... فخلفا طفلاً ممزقا ؟
قبل مئات السنين أختلف المسلمون مع ماجاورهم من حضارات مختلفة ومتباينة , فأنصهروا جميعاً في إناء واحد , أنغمست فيه فرشاة لترسم لوحة بديعة على مر العصور , ذاب فيها المسلم وغير المسلم , المسيحي واليهوي , حضارة مازالت تتحاكى بخرافيتها الأجيال حتى الآن,عندما يتتلمذ المختلفون على أيدي بعضهم البعض فيشكلوا لنا أربعة مذاهب كأربعة أعمدة ترفع سقف الإسلام عالياً...إختلافنا رحمة

Wednesday, March 16, 2011

السياسة في مصر


في أحد زياراتي القليلة نسبياً لمعرض القاهرة للكتاب بمدينة نصر , منذ سنتين تقريباً , كنت بمفردي وأثناء إجتيازي لإحدى البوابات العديدة والتي كانت مزدحمة بفعل اجراءات التفتيش الشديدة , بوابات آمنية وتفتيش متعلقات شخصية ونحو ذلك , كان يبدون أن النظام مرعوباً من فكرة تجمع هذا العدد من المواطنين ( يمكننا ان نطلق عليهم مثقفين ) , أجتزت البوابة الآمنية بعد أن أطلقت صفارة , أشرت على إصرها للقطعة المعدنية المثبته بالحزام , ومررت اشار لي احدهم بلباس مدني , وطلب مني ان اعطيه حقيبتي الصغيرة , فتحها , وجد بعض الكتب , قلب فيها جذبه عنوان أحدها , لم يكن كتاباً بالتحديد بل كانت مجلة , " مجلة السياسة الدولية ", نظر اليها كأنه أكتشف إكتشافاً عظيماً " سياسة ؟ " , " انت بتقرا سياسة ؟ " ... " إنت منين ؟" .... أستدركت الأمر قبل أن يتهمني بقلب نظام الحكم .." لا لا سياسة إيه ... دي مجلة بتصدر تبع مؤسسة الأهرام ..الأهرام ؟ حضرتك عارفها ؟ وبعدين أنا اشتريت الأعداد دي من جوه ..  " أعاد الكتب إلى الحقيبة وسمح لي بالذهاب  , الصراحة أكملت تجولي داخل المعرض وأنا أضحك وأحدث نفسي كلما تذكرت هذا الموقف .
هذا هو النظام , كان يعتبر أن السياسة من المبيقات , أو من مبطلات الوطنية , فمنذ ان أراد الله لنا أن نُحكم , لم نرى حياة حزبية سليمة ترقى للدول والأنظمة الديموقراطية الأخرى في العالم , فبعد أن قامت الثورة وحلت الأحزاب , حتى تذكر السادات بعدها بسنوات عديدة ضرورة إيجاد مناخ سياسي صحي , وبالتأكيد وجب وجود الأحزاب , ثلاثة أحزاب فقط , وبعدها رأينا وتابعنا عن كثب مسرحية الأحزاب الكارتونية الهزلية على مر ثلاثون عاماً , وحتى الأن لم يتواجد ذلك المناخ السياسي الصحي القائم على أحزاب أياً كانت توجهاتها , يمثلون توجهات الشعب وينتخب ممثلي الشعب إنتخابات تعبر عنه وتفرز لنا حياة سياسية سليمة .

كانت علاقة السياسة بالمواطن المصري البسيط , تنحصر في متابعته لموجز أنباء يقطع فيلما أو مسلسلاً أو حتى أخبار التاسعة وهي يتناول ثمرة البطيخ في ليلة صيفية ساخنة , أو تنحصر في جريدة معارضة كالدستور أو الأسبوع تسبب له أعراض مختلفة تماماً عن تلك الأعراض التي تسببها له صحف أطلق عليه مجازاً بالقومية , أو تنحصر في حديث عابر مع زملاء في العمل أو مع ركاب آخرون من نفس الوطن محشورون في إحدى وسائل المواصلات( مع اتخاذ الحيطة ) , وبالتأكيد فتلك الأحاديث لا تجد لها متسعاً داخل الأسرة السعيدة المغموسة  في حساب المصروفات والمرتب, غير ذلك فالمواطن متفرج ومحلل وناقد من الدرجة الأولى .
هكذا أقصى نظام سلطوي ومستبد طوال سنوات المواطن بعيداً عن أي مشاركة فعالة في الحياة السياسية , حتى أنه لم يعطه الفرصه أصلاً ليشكل وعياً سياسياً أو اتجاه أياً كان , وبالتأكيد كما أشرت سلفاً أن البيئة الصحية للحياة السياسية لم تكن موجوده , بل بالعكس كانت بيئة مناسبة جداً لتربية الفطريات والميكروبات والفيروسات بل والأورام في حالات متقدمة حتى باتت الحالة مستعطية وتستوجب البتر , فقد حوّل النظام المواطن لجرذ يجري في عجلة تدور إلى مالانهاية , فلا العجلة تتوقف والمواطن يدور داخلها ولا الجرذ  ..أقصد المواطن يتوقف عن الجري والهرولة خشية السقوط والموت .

المـــــــواطــــــــن فــــــــي عيــــــــــــــــن النظــــــــــــــام  

ربما كان النظام يصنف المواطنين على هذا الأساس : (1) مواطن ( في حاله ) لا ينتمي الى اي احزاب او تيارات سياسية أو جماعات دينية , فقط يبحث عن قوت يومه ورزقه ويعاني من نقص حاد في الوعي السياسي نتيجه لعدم توفر رؤية واضحة  ولا ادراك ولا احساس بمسئوليته عن هذا الوطن وبالتالي عدم رغبته في التغيير .. يمكن ان يكون هذا المواطن يمتلك رؤية وادراك للموقف ولكنه فقد احساسه بدوره او فعاليته , فهُم افقدوه دوره السياسي , أفقدوه احساسه بصوته واهميته في صنع القرار لذا من الطبيعي جدا ان نجد هذه المعدلات الهزيلة في المشاركة في الانتخابات , حتى لو شارك فهو يشارك بمقابل مادي فوري وملموس , طبعا هناك عدد قليل جداً من يقرر من نوعية المواطن رقم (1) أن يشارك بإيجابية في الانتخابات ( أبسط وأسهل أنواع المشاركات السياسية ) ولكن للأسف المواطن رقم (1) يمثل الأغلبية العظمى من مجتمعنا .

مواطن رقم (2) المواطن الذي قرر ان يمارس الحياة السياسية ممارسة آمنة وبالتأكيد فقد استخدم كافة الوسائل الآمنة التي لا تجعله ينجب ...أقصد لا تجعله ذو فعالية حقيقية , فهو يمارس ولكن لايمارس , فهو عضو في حزب الحاكم , نعم أستخرج كارنيها يمكن أن يفيده في أي مكان صحرا ان كان او بستان , متفاخراً وسط  زملاؤه السذج بأنه حزب وطني , مشهراً في وجه من يعترضه الكارنيه كسيف بلاستيكي , وهكذا أصبح مدرج عندنا خمسة ملايين في الكشوف على أنهم حزب حاكم , هذا النوع من المواطنين يفتقد إلى الرؤية الواضحة للمشهد السياسي ولا يدركه أصلاً إدراكاً جيداً , بالإضافة إلى انه يعاني من احساس مزيف بالمسئولية ولذا لا يشعر بأي دافع للتغيير , أقصد هنا أن معظم من انضم إلى هذا الحزب أو أدرج اسمه في قوائمة ليس بدافع المشاركة السياسية ولكن بدوافع أخرى وان كنت اشك أن هناك أعداد قليلة جداً كانت تنضم إليه بدافع إيجابي وحقيقي للمشاركة .


مواطن رقم (3) مواطن (جماعات) ويمكنك أن تميزه بسهولة ويسر بلحيته الطويلة وثوبه القصير أما الأنثى فهي منتقبة , وهذا المواطن لايمارس اي شكل من اشكال النشاط السياسي وينوء بعيداً عنها , فلا هو ينضم الى حزب ولا جماعة سياسية , بل يكتفي ببعض الأنشطة الدعوية المحدودة ومرتبط بالمساجد (بشكل مبالغ فيه من وجهة نظر النظام طبعاً) ويمكننا أن ندرج إلى هذا النوع من المواطن رقم (3)الباقون على قيد الحياة والخارجون عن الجماعات الإسلامية وجماعات التكفير والهجرة , بالنسبة للرؤية والإدراك للمشهد العام فهو ضعيف جداً وبالتالي فهو لايشعر بمسئولية واضحة في هذا المجال بالذات ولا يمتلك الدافع للتغيير , بالتأكيد فهو ذو توجهات ودوافع في منطقة مختلفة و بعيدة كل البعد عن الحياة السياسية  .

مواطن رقم (4) المواطن المعارض , هذا المواطن الصبور الحمول وكل شئ على وزن " فعول "  وهو يمارس الحياة السياسية فقط  بدون اتخاذ اي حيطة او حذر , لذا فهو عرضه في اي وقت لأي مفاجأة من مفاجأت النظام , ..... ومرتبط بصناديق الإقتراع أحياناً , ويمكننا أن نضيف إلى هذا المواطن صفة ناصري , ليبرالي, إخواني , قومي , يساري , إشتراكي, وهذا هو المواطن الوحيد والمختلف عن الثلاثة السابقون فهو يمتلك رؤية واضحة - إدراك لما حوله - إحساس بالمسئولية - رغبة في التغيير, وإن كانت تختلف من جماعة إلى أخرى .
توضيح بسيط يجب التنوية إليه وهو أن المواطن المعارض المضاف إليه صفة ( إخواني - أي يتبع جماعة الإخوان المسلمين ) يمكننا أن نضيف أنه يمارس الحياة الدعوية بجانب السياسية , لذا فساحات أنشطته تشمل أيضاً المساجد بجانب صناديق الإقتراع.

ملحوظة رقم (1) المواطن رقم (1) و(2) و(4) يمكننا أن نجد المسلم والمسيحي مندرجاً تحت أي من تلك الأنواع الثلاثة , فيما ينحصر المواطن رقم (3) في نوع واحد فقط وهو المسلم .
ملحوظة رقم (2) يندرج عدد محدود (في تزايد) من المواطنين الذين يعانون من التخمة جراء أنواع متعددة من الفساد تحت بند المواطن رقم (2) وبالتأكيد فهو إما طالب سلطة أو مال  أو الله أعلم .

يمكننا أن نصف الوعي السياسي للشعب المصري بالمتدني , بالتأكيد الأمر يختلف تدريجيا مع الوقت بعد ثورة يناير , ففي اعتقادي مازال وعينا السياسي يتشكل ويتكون في تلك الأيام مع وجود عدد كبير جداً من الشعب مازال يفتقد ذلك الوعي.
لم يعي النظام أبداً ان مصر لم يصل تعداد سكانها إلى تلك الدرجة , ولم يعي أيضاً أن نسبة المتعلمين علاقتها كانت علاقة طردية مع تعداد السكان , ومؤكد أن نسبة الوعي السياسي تزداد وسط المتعلمين , أزداد الوعي السياسي بطريقة ملحوظة نتيجة الإعلام الخاص بالتأكيد من قنوات خاصة وصحف معارضة بالإضافة إلى مواقع ( Twitter & Facebook ) والتي أطلق عليها مواقع إجتماعية ( Social) برغم أنها كانت في مصر على عكس ذلك حيث ظهرت بصبغة سياسية , كما ساهمت التكنولوجيا التي حولت المواطن إلى راصد ومسجل لكل حدث , فأصبح المواطن  يحمل كاميرا يصور بها الحدث لينشره على الشبكة العنكبوتية ليراها العالم خلال لحظات.

تحولات بــــعد الثـــــورة 
التحول الأبرز الذي أود أن أشير إليه هو التحول الجذري للمواطن رقم (3) ممن يُطلق عليهم سلفيين , لأول مرة آراهم يتحدثون عن الدستور والسياسة , هل هذا تطوراً في فكر جماعة كانت تنأى بنفسها عن السياسة ؟

نسبة من فئة المواطن رقم(1) ---تـــــحـــولـــــت ---إلى مواطن رقم (4)..(عقبال الباقي)

تحول العديد من المواطنين( الشباب) من المربع رقم واحد إلى المربع رقم أربعة , ليشارك بفاعلية نتيجة إلى تراكمات من مساوئ وكوارث للنظام السابق أظهرتها وسائل الإعلام والإنترنت جلية , فهاهو عدد لا بئس به من المواطن رقم (1) أصبح يمتلك الرؤية والإدراك كما شعر أنه مسئول عن الوطن بعكس أسلافه وبالفعل أرد التغيير وهو ما ترجم في ثورة , فا لأول مرة نتحدث عن مواد دستور كانت بعيد كل البعد عن  وعي وادراك الشباب والناس, ونناقش مواداً بعينها , ونتحدث عن القائمة النسبية في انتخابات البرلمان و وزراء تكنوقراط ونظام برلماني ونظام رئاسي , ولكن مازال أيضاً هناك غالبية عظمى من الشعب لا تعلم شيئاً , ومازالت مغموسة في مستنقع الجهل السياسي ... بالإضافة إلى أننا لم ننضج بعد سياسياً ومازال وعينا يتكون ويتشكل و بالتأكيد يتطلب ذلك جهداً من الجميع .

لتتحول السياسة من كونها مبيقات و مبطلات للوطنية ..... لتصبح ركناً أساسياً للوطنية

Friday, March 11, 2011

يمامة



كان لي صديق أعتبره واحداً من الأصدقاء المُقربين , صهرتنا السنين معاً لنشكل مزيجاً متجانساً برغم إختلافنا , أعرفه منذ الكثير, نعم منذ الكثير ,سنين تكفي لأعرف تقريباً كل تفاصيل حياته ,اشاركه أفراحه و أحياناً همومه التي يبوح بها , فرقتنا الحياة ورغم ذلك بقينا سوياً , تقاربت عائلتينا كرد فعل طبيعياً , كان له أخاً كان يصغرني بحوال أربعة سنوات.
كان الأخ الأصغر المدلل دائماً أخر العنقود كما يطلقون عليه , كان لطيفاً ومرحاً ومحبوباً من الجميع , أتذكر ألعاب الطفولة في الشارع والعراكات الصبيانية , يوم ان كانت ضحكاتنا تعلو لتلمس السحب , كنا نضحك حتى تكاد تتوقف قلوبنا من كثرة الضحك, كانت أمي تسمينا عصابة , كنا نقضي الوقت سوياً أناوأختي الصغرى وصديقي وأخيه الأصغر أكثر مما نقضيه مع عائلتينا , في مدخل بيت الجدة نجتمع وكل منا يخرج الأشياء التي أتفقنا على أن يحضرها منا سلفاً , فهذه أعواد خشبية طويلة وهذه قطع "مشمع " وأكياس وهذه بكرة خيوط وهذا صمغ و هذه أوراق ملونة , كل هذا لنصنع طائرة ورقية .
كان حُلماً بعيد المنال حينها , نعم أن نصنع طائرة ورقية وتطير عالياً لتلمس السحاب كما تفعل ضحكاتنا , أنهمكنا نحن الأربعة ولو كانت أختي الصغرى ليست كبيرة كفاية لتدرك تلك الأحلام ولكنها كانت تشاركنا ذلك لم تكن قد تجاوزت السابعة , كانت تضحك لأننا كنا نضحك , فقط هكذا , فالنعد لحُلم الطائرة الورقية , ربما لم نكن نحكم ربط الأعواد جيداً من الوسط لذا لم تنجح , أم أن الذيل ليس طويلاً كفاية , كنا أصغر من أن نتقن صنع طائرة ملونة كبيرة , سئمنا من تلك الطائرات الصغيرة التي لا تقوى على مواجهة الريح ولاترتفع عالياً . في المحاولة الثالثة أو الرابعة على ما أتذكر نجحت , أتذكر تلك البسمة التي أرتسمت على وجه أختي وهي تقفز عالياً والطائرة تعلو وتعلو وتعلو وتعلو وتعلو , وتعلو ضحاكتنا نحن الأربعة و وترتفع " يمامه " هكذا أسميناها , أختارته أختي , كانت تحب اليمام وحلمت أن تقتني واحدة , كانت تحبها لأن جدتي حكت لها كيف أن اليمامة ساعدت النبي في الغار , لذا أحببنا نحن أيضاً " يمامة "أتفقنا أن تنام بين أحضان كل منا ليلة , كنت أساعد أختي عندما كانت تمسك بالخيط حتى لا ينفلت منها لجذب الرياح وحتى لا تطير نعم هكذا كنت أظن أني لو تركتها ربما ستطير مع " يمامة " .
كانت في البداية أياماً صعبة علينا, كنت أنتظر تلك الصورة المنطبعة في ذهني له , يوم أن جاء صديقي من أول زيارة له , أخرج هاتفه لأشاهد صورته , تغير تماماً أو ليس تماماً , فقد الكثير من وزنه بجانب شعرة القصير جداً , أشعر أنه أصبح أطول , أصبح لون بشرته داكناً إلى حد ما , متى أول أجازه له ؟ سألت صديقي , أجاب بعد شهر , وقت طويل ولكن هو أختار ذلك الطريق فليتحمل ويدفع الثمن .دقت أختي على الباب بعنف لأستيقظ , فتحت ووجدتها تلهث وتحاول تكوين جملة , لقد جاء !!.... من؟ وكأني أسأل السؤال وأستحضر الإجابة في نفس الوقت " ديدو " ,أومأت برأسها وألمح في عينها دمعة تحاول سحبها بسرعة , هرولت بسرعة وأنا أقفز على درجات السلم , وأفتح البوابة , وأجري إلى وسط الشارع لأحتضن " ضياء" , أحتضنته بدون أن أدقق في وجهه أو فيما يرتدي ,كان صديقي يقف بجواره " ديدو " لا هذا الأسم لا يليق أبداً بضابط شرطة , كفارس يرتدي بذته البيضاء النقية , دققت في وجهه أصبح رجلاً , كأني أكتشفت رجولته فجأة بدون مقدمات , برزت عظام وجهه , أصبح في طولي لفقده بعض وزنه , كان يبدو قصيراً فيما مضى ,لمحت أختي تقف في الشرفة , نظرت ورأيت نفس بسمة يوم أن أرتفعت "يمامة" و" ضياء" هو الأخر نظر ,أشار لها وأتسعت ضحكته بعرض وجهه تقريباً , ولمحت حباً ينبت ولم أشأ أن أتدخل .هاهي العصابة أجتمعت مرة أخرى " وتعالت الضحكات , أطلقتها أمي كمزحة وهي تقدم العصير للضيوف صديقي وديدو ووالديهوأضافت أم صديقي " كبرتم و شيبتونا " أتتذكرين يا "هند" وأنتي لم تتجاوزي الخامسة عندما كنت تنادين على ضياء ب "ديدو " هاهو ضياء سيصبح ضابطاً , أجابت أمي "كان صعباً عليها كثيراً لفظ ضياء وقتها , كان ديدو أسهل , " والله ومازالت تناديه ديدو بل نناديه جميعاً " وتعالت الضحكات ووجه هند قد أزدادت حمرته وهي مرتبكه تهرب من النظرات .أخرج سيجارة من علبة كانت متخفية في جيب سترته أثناء ما كنت أقود وكلينا متوجهين إلى وسط المدينة , أسترقت نظرة إليه تاركاً الطريق , ووجهي يعلوه نصف بسمة وحاجب مقتضب جراء إستنكار ومفاجأة , " منذ متى ؟" لم يجب , لا حظت قليلاً أنه تغير , حاولت أن أبدأ حواراً معه لأحاول أن أفهم , " ها كيف الحياة هناك ؟ هل أنت سعيد ؟ " أجاب بلا إكتراث وهو ينفث دخانه من النافذة التي أجبرت على أن أفتحها " نعم , قليلاً " , حاولت أن أستفهم منه عن وجود مشكلة ما , حاولت أن أسلك طريقاً ربما تكمن فيه المشكله , وحاولت أن أقنعه" تبقت سنة فقط على تخرجك من كلية الشرطة ", وأنه يجب أن يصبر قليلاً , غداً سيتخرج ويُعيّن ويصبح ضابطاً . لكن يبدو أن تلك ليست هي المشكلة , تركته قليلاً ربما يتكلم من تلقاء نفسه .أرتجلنا ومشينا وسط زحام وسط المدينة , لنصل إلى أحد المتاجر التي أقنعني أنها تبيع ملابس جيدة أبتاع منها في أحد المرات .
كنت أسير معه تاركاً له الشوارع التي نسلكها لمعرفته مكان المتجر , وجدته متوجهاً نحو شارع ضيق يقف بعرضه صفاً من الجنود الذين يسدوه , لم أشأ أن أعلم لماذا هو مسدود, ولكني وجدته متوجهاً مباشرة إلي ذلك الشارع بالذات , جذبته من يده وسألته إلى أين هو ذاهب , يبدو أن هناك مشكلة ما في هذا الشارع , وأشرت إلى الشارع المجاور والموازي له , أعتقد أن هذا الشارع سيوصلنا إلى نفس الإتجاه , أجاب " لا لا سنمر من هنا تعال " , لم أفهم ووجدته أخذ بيدي مخترقاً صف الجنود , وقام الجندي بدوره بالوقوف أمامه قائلاً " ممنوع يا أستاذ " غضب ديدو أوضياء لا يهم , وحاول دفعه ولكن الجندي كان أسرع فدفعه هو , لم تكن الدفعة قوية لدرجة جعلت ضياء ينعته بالجنون ويلطمه على وجهه وينهال عليه ضرباً , كنت واقفاً مذهولاً لا أتحرك ,و كان الجندي أيضاً مذهولاً وسقط على الأرض جاحظاً وناظراً إليه , فتجمع الجنود عليه وكادوا أن يفتكوا به , لم ...لم أعلم ماذا أفعل حينها هل أضرب صديقي الأرعن أم أضرب الجنود , ولكن أستدرك هو الأمر صارخاً فيهم " الا تعلمون من أنا ؟ " " أين الضابط المسئول هنا ؟ " جاء الضابط وأخرج ضياء " الكارنيه " ضحك ضحكة حاول أن يكتمها " فعلت هذا وأنت طالب فماذا تفعل وأنت ضابط " .

لم أشأ أبداً أن أتحدث أو أبدأ حواراً لأنني الأن فهمت , كنت أقود السيارة في طريق العودة والصمت يقودني في طريق الوجوم وهو ينفث دخان سيجارته الذي يكون غمامة رعدية فوق رأسي تضرب برعدها بعنف .هرولت لأفرغ ماتبقى في جوفي , ولم أتبين السبب هل كان دخان السجائر أم سبب أخر , سحبت قدمي إلى غرفتي , وأغلقت بابي لاحظت صغيرتي " هكذا أدعوها " حالتي تلك فتسللت في حنو إلى قلبي , أحتضنتها حضناً طويلاً ونظرت في عينيها وأنا أرى حزناً يشبه حزناً يوم علقت " يمامه " في سلك عمود الإنارة .
------------------  
كُتبت قبل الثورة بأسبوعين بعد أن أستلهمتها من موقف حقيقي

Thursday, February 17, 2011

قصة ثورتين أو ثلاثة


أستمتع .......وأفتخر أولاً
-------------------------------------------------------------------------------
نحن الأن في منتصف الطريق , إذا ظن الكثير أن الثورة أنتهت , أعتقد أن هذا ليس صحيحاً , النظام كان أشبه بورم خبيث تم إجتثاثه من بدن الوطن وهذا لا يمنع أبداً أننا في مرحلة تطهير للجرح المفتوح الأن وبالتأكيد مازال البدن عليلاً بعد تلك العملية الصعبة التي كادت أن تودي بحياة الوطن , مازال في الوطن الكثير من أذناب النظام السابق وما تخلصنا منه هو فقط رأس النظام وهو بالتأكيد الجزء الأهم , بالتأكيد ما حدث في الأيام الماضيه قبل التنحي من مراوغات للإبقاء على النظام التي كانت تشبه طائرة تهوي ويحاول قائدها التخلص من الأوزان الزائدة للإرتفاع مرة أخرى والتحليق ولكن لا جدوى ...سقط النظام سقوطاً ذريعاً ولكن ماذا الأن ؟

فلنبتعد قليلاً عن هنا , هناك في أوروبا بالتحديد في جنوب غرب أوروبا في القرن الثامن عشر , تلك الثورة التي غيرت الكثير من الأمور في أوروبا  وهزت عروش الملكية في أوروبا عملياً كانت أوروبا هي التي تقود العالم حينها فلم تكن قد ظهرت أمريكا بعد على الساحة , أنا أتحدث هنا عن الثورة الفرنسية , يُقال أنها أعظم الثورات في العالم , بالفعل هي غيرت خارطة العالم , ولكن أنتظروا قليلاً  , أولاً ما هي أهداف الثورة الفرنسية ؟ بالتأكيد الثورات تسقط أنظمة متغلغلة في أرض الوطن , أسقطت الثورة الفرنسية النظام الملكي والنظام الإقطاعي هذا أبرز ما نجحت الثورة في إسقاطه ولكن بعد أن تم إعدام الملك , للأسف أتخذت الثورة طابعاً دموياً تمثل في إعدام كل من كان ضد الثورة وكان هناك ما يسمى بالجمعية الوطنية وهم من أمسكوا بزمام الأمور وسُمي عصرهم بعصر الإرهاب , كانت الفترة الأشد دموية بالفعل حيث تحولت الثورة إلى إنقسام وتصارع على السلطة و مقاصل لكل من يُتهم بأنه ضد الثورة بل خلقاليعاقبة ( وهم من كانوا يمسكون بزمام الأمور في الجمعية الوطنية ) ديانة جديدة تم محو الكاثوليكية على إثرها وسميت بعبادة العقل 
بعد ذلك كانت حكومة الإدارة التي يمكن أن نقول أنها أعادت الأمور إلى نصابها السليم لولا بعض المشكلات الداخلية والثورات الصغيرة وبالتأكيد العديد من الأرواح التي أزهقت , كل ذلك مهد لقدوم نابليون بونابارت وميلاد الإمبراطورية الفرنسية , ما أود أن أشير إليه :
أولاً - أن النظام الملكي والإقطاعي لم يسقط بسهولة ودُفع الثمن غالياً من دماء الفرنسيين لإسقاطه هو ونبلاؤه المزعومين
ثانياً - ليس معنى إعدام الملك في ميدان الجمهورية بباريس أن مؤيديه سقطوا هم ايضاً .
ثالثاً - ألبست الثورة ردائاً دامياً بأيدي بعض الثوار الذين أنشقوا على بعضهم و ارتكبت مجازر في حق الملكيين أي مؤيدي الملك السابق
رابعاً- بالتأكيد أبتعدت الثورة بكيلومترات كثيرة عن مبادئ حقوق الإنسان ومبادئ الحرية والإخاء والمساواة
خامساً - الثورة بالتأكيد أطاحت بكل الأنظمة الفاسدة ولها الكثير من المميزات ولكن استغرقت فرنسا أعواماً طويلة جداً حتى يتخلصوا من هيمنة جماعة معينة أو فرد معين على الحكم وما كانت الثورة إلا خطوة أولى في طريق طويل وممتد إلى الحرية التي تنعم بها فرنسا الأن .

نعود مرة أخرى إلى مصر , فبعد أن تتبعنا الثورة الفرنسية وسقوط الملك والجمعية الوطنية وحكومة الإدارة ومن ثم الإمبراطورية الفرنسية وانفراد بونابارت بالسلطة حتى وصلنا الى الجمهورية الخامسة بنظام برلماني نصف رئاسي .
لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن نفصل ثورة يوليو عن الثورة الحالية لأننا بالتأكيد نسير على خط ومسار واحد , فبعد أن قامت ثورة يوليو أسست ما يمكن أن نطلق عليه الجمهورية الأولى برئاسة عبد الناصر ومن بعده السادات ثم مبارك , الثلاثة كان حكمهم قائم على الحكم العسكري المتمثل في حكم الفرد الواحد , لا نستطيع تجاهل مكاسب الثورة التي قام بها الضباط وكان أهمها أيضاً إنهاء النظام الملكي والنظام الإقطاعي والأهم من ذلك كله جلاء الإستعمار الإنجليزي ولكن ماذا قدم المصريون ثمناً لتلك الثورة ؟
كانت ثورة بيضاء بالتأكيد ولم يتم سفك دماء مصري واحد , فكما يطلقون عليها هي ثورة بدون نقطة دم واحدة , حيث تم إجلاء الإنجليز عن مصر بدون حرب , هذا ما يُقال .
دعونا نتفق في البداية أن الثورة ضد الظلم والفساد وقتها سواءاً ضد الملك وحاشيته أو ضد الإنجليز كانت ستقوم إما عاجلاً أو آجلاً , حيث أن الحنق ضد القصر كان يتنامى بعد النكبة في فلسطين وفالثورات ضد الظلم لم تنتهي من مصر ابداً قبل ثورة يوليو فكانت هناك ثورة 19 ومن قبلها الثورة العرابية وان كانت ثورات غير مكتملة ولكنها ثورات حققت مكاسب وان كانت ضئيلة ولك الشعب المصري أثبت التاريخ أنه ليس شعباً خانعاً , إذن الثورة كانت قادمة لا محالة إما على عربات الجيش أو حتى بأيدي الشعب المشكلة فقط من يقوم بالثورة أولاً ليسانده الأخر الشعب أو الجيش .
مرة أخرى ما هو الثمن الذي دفعه المصريون لتلك الثورة .
أولاً - حرب 56 حيث كانت تلك الثورة مرفوضه من القوى الخارجية والإستعمارية لأن إستقلال دول المنطقة توالى تباعاً
ثانياً - إنفراد مجموعة بالسلطة والحكم 
ثالثاً - أكلت الثورة نفسها وليس بالأحرى أن نقول أن الضباط قتلوا بعضهم البعض ولكن حدث ذلك بشكل أخر حيث أنقسم البعض عن الضباط  وأبرزهم محمد نجيب لذا تم التخلص منه ومن غيره
رابعاً - كلفت الثورة مصر الكثير حيث عاشت مصر في أحلك عصور الإستبداد والقمع على يد فرد وجماعة مستفيدة فقط
فلا ديموقراطية ولا حرية وبالتأكيد الحياة السياسية تؤثر سلباً على الحياة الإقتصادية وأنا هنا أتحدث عن ثلاثة حكام توالوا مستخدمين نفس الأدوات .
خامساً - كانت أعتى سقطات النظام نكسة 67  وبالرغم من أن مصر أستعادت الأرض ورأت بعض الإنفراجه في عهد السادات ولكن تبعتها نكسات أخرى وتردى المجتمع طوال ثلاثون عاماً من نكسات متوالية صغيرة كادت أن تبتلع الوطن .

إذن كان الثمن القمع والإستبداد والسلطة المطلقة زاعمين أن مصر تحررت ولكن ما حدث أنها خرجت من حفرة إلى حفرة أخرى 
لتتراكم وتتراكم مسببات ثورة أخرى لتنفجر في وجه الثورة الأولى تلقائياً وهذا ماحدث بعد تسعة وخمسون عاماً من القمع والإستبداد.

الجمــــهوريــــة الثـــــانيـــــة
كانت ثورة يوليو هي أيضاً الخطوة الأولى في طريق طويل إلى الحرية والمساوة والعدالة بين كل أفراد الشعب, نحن الأن في منتصف الطريق , فنحن لا نعود إلى الوراء وحكم العسكر( هو الأن مؤقت ) أنتهى وأتمنى أيضاً أن تكتمل ثورة 25 يناير بنظام ديمقراطي يؤسس الحرية والمساوة بين الجميع لأن الشعب دفع الكثير ولا أقصد بضع المئات من القتلى أو حتى آلاف المصابين ولكن دفع الثمن طوال مايقرب ستون عاماً لأنظمة فاسدة , وأود أن أشير إلى :
أولاً : أنه ليس معنى أن حكم مبارك أنتهى أن نظامه مايزال قائماً بشكل أو بأخر هنا وهناك ومازال هناك أذناب للنظام
ثانياً : الثورة تمثلت في تظاهرات وإعتصامات طوال ثلاثة أسابيع ماضية أسقطت النقطة الأقوى في النظام .
ثالثاً : أنتقلنا من مرحلة التظاهرات بعد التنحي إلى تشكيل لجنة من الشباب للحوار مع المجلس العسكري في بقية الإصلاحات لإنهاء نقاط النظام الأضعف التي مازالت تصارع لإبقاءها .
رابعاً :أنتهت التظاهرات ونحن الأن في مرحلة إنتقالية تتكون من جزأين وهي التنظيف والبناء , إذن لا معنى للتظاهرات الأن بل هي تضر بالثورة قبل أن تضر بجسد الوطن العليل .
خامساً: يحاول بعض أذناب النظام الأن للتبرير والتلون لمحاولة الهروب من المحاسبة وأيضاً إختلاق مشاكل داخلية في شكل إعتصامات في أكثر من مكان حساس في مصر بالإضافة إلى خلق جو من التعاطف مع الرئيس بإشاعة أخبار عن سوء صحته.
سادساً : كل ما أخشاه أن تأخذ الثورة مساراً يبتعد عن المسار الأول الذي خلقته لنفسها , بإعتلاء السلطة نظام جديد استبدادي أو حتى نظام قديم ألبس رداءاً جديداً .

أصنــــــــــع التــــــــاريخ
ولكن ما يبعث في نفسي الأمل أن الشباب  تنفس الحرية  ولن يفرط فيها مرة أخرى , لأنه عرف طريق الميادين والبهجة والتحليق .
وكل ما أريد أن أنصح به نفسي وإياكم أن نكتمل مسيرة الثورة ونعمم خلق وحضارة التحرير وغيرها من الميادين لتشمل كل حياتنا ولا ندع أحداً يشكك في الثورة ولا نفرط في حساب كل من فرط في حق الوطن .