Friday, June 22, 2012

رُبــع جنيّــة

 أتذكر جيداً أن "الربع " جنيه كان ثقيلاً في يدي , كانت تجذبني بشده تلك التفاصيل الدقيقة المرسومة على الورقة, كانت تلك الخمسة والعشرون قرشاً التي يمكن ان تدخل السرور على أي طفل مصري , تذكرت "بم بم وكاراتيه السلاحف النينجا ودراكولا وشيبسي ومصاصةسيما واللبان السحري والشمعدان" 

تذكرت أيضاً النسر المرسوم, كان نسراً زاهياً كبيراً , كنت أندهش لماذا ياترى يحيطون الربع جنيه بحبتين ذرة , وأربع سنابل .. وثمرتين قرنبيط , لماذا تلك الثمار وذلك العدد بالتحديد ؟

كل ذلك انهمر بين مسارات التفكير ويد السائق تمتد لي " الربع جنية ده مش نافع يــا هندزه ", ملت بجسدي ناحية اليمين لضيق جيب "الجينز"  , ومحاولاً بجهد ألا ألتصق أكثر بمن جانبي,  وأتضح لي أن الربع " الفضه" تعمق كثيراً

جذب انتباهي موجز انباء في راديو الميكروبا(ز) ,  رن في اذني فقط اسم البرادعي , أنصت لأحاول ان اعرف ما الخبر المهم الذي يمكن ان يحتله اسم البرادعي , في أول النشرة , فجأة ارتفع صوت سيدة وهي تتحدث في " الموبايل " , ولم أتمكن من  الإستماع لكلمة واحدة في الخبر بعد ذلك.

الربع .. ياهندزه ".....   بادرني السائق لأخذ الربع الناقص من الأجرة , وانا مُنشغلاً في التفكير في ماهية ذلك الخبر,  كدت أسأل الجالسين في الأمام عن الخبر  ولكن أثرت أن أنتظر ..

زاد الطين" عكاً" لتزداد حيرتي , وتوقف الطريق فجأة , لأكتشف فيما بعد أن السبب دعايه إنتخابيه لأحدهم ويبدو أنه لم يحلو له الا هذا الشارع بالتحديد لينصب في " هذا الشئ الذي الذي يشبه صواناً للعزاء .... ياللمفارقات , ولكن عُلقت عليه لمبات ملونة اقتربنا و بدون قصد  هشم السائق لمبة واثنين لااعلم بالتحديد فأندفع " الكهربا ئي " إلى الميكروباص  كثور هائج .. ضارباً يبديه على الزجاج و لم أستطع عد أنواع السباب والشتائم التي تأذيت وتألمت لإختراقها مسامعي , أستمر السائق في طريقة بعد أن فض المارة الإشتباك , واستمرت السيدة في حديثها الغيرمنقطع في الموبايل , واستمر مُعلق اللمبات واليفط  في عمله وأستمر بحثي عن الربع جنيه  واستمرت حيرتي ..؟

--------------------------------------------------------

نشرتها في البدايه هنا
15 January at 01:42

Thursday, June 21, 2012

سخافة .. أو سمِها ما تريد !

ركزت نظري على ملامحه المتجمده, كان يبسط راحة كفه الأيسر على خده , مُثبتاً عينيّه على حفنة أوراق يحملها بيده اليمنى , مائلاً برأسه إلى أسفل قليلاً , يقلبها بين الحين والأخر ويعود كما كان  , كنت اتابع عينيه وهما تتحركان في بطئ وتؤده بين السطور والكلمات واحده تلو الأخرى , كان يقطع كل ذلك أحياناً بإرتفاع حاجبيه مع ضمه خفيفة  لشفتيه ... وأحياناً يُقضب حاجبيه فيُقبض قلبي , ثم تعود ملامح وجهه كبحيره راكده قاتمه لا تعكس شيئاً فأتنفس الصعداء فأهدأ بعد أن كانتا نبضات قلبي ورعشة يدي تتسابقان أيهما يفتك بي أولاً
.
رمقني بنظرة لم أدرى بها إلا وهو يرفع عينيه عني سريعاً ويعود إلى الأوراق بعد أن أنشغلت بالأشياء الموّضوعه على مكتبه الآبنوسي , وفجأة وضع الورق أمامه وثبت نظارته الطبيه التي لم تخفي لمعة في عينيه ..تخيفني , لذا كنت لا أطيل النظر إليهما كثيراً , وبعد أن أعتدل في جلسته أمسك بالورق مرة أخرى قلب فيه سريعاً و أعاده , أبتلعت ريقي وأخذت زمام المبادرة لأسئله عن رأيه فإذا به يسبقني بسؤالي " منذ كم سنة وأنت تكتب ؟" ..  أصمت وأجيبه بعد تفكير للحظات قليله " منذ أن كنت في المرحلة المتوسطة على ما أظن " .... فترتسم على وجهه علامات إندهاش ... ويبادرني بسؤال يُفقدني توازني " وهل سألتك   منذ متى ... سأتلك عن عدد السنوات ؟ ..... تعصف بي كلماته القليله المقتضبه , لتلقي بي في بحر هائج من التوتر فأجدني عاجزاً عن حساب عدد السنوات بالتحديد ...  كأنني تلميذ بليد فاجأه أستاذه بمسألة حساب تافهه, وبعد جهد وعناء  " تسعة ... ت تسعة سنوات ياسيدي

" ...
 .......... وهل تظن أن تسعة سنوات ..كافيه لتصنع منك كاتباً ماهراً مُتمكناً من أدواته لاتستعصي عليه اللغة و
وفجأة هبطت غمامه على عينيّ ... لا أدري من أين .. ترددت كلماته داخلي كأنها إرتطام حجارة في بئر مهجور ..ظمأ ,جاف من الماء, فلم تجد رداً ولا إجابه ... كان العرق يتصبب مع إنكماشي ورغبتي في عدم الإستماع إلى المزيد تتزايد مع إطراد حديثه الذي لم يقطعه سوى رنين الهاتف ... رفع السماعة ببطئ وهو ينظر لي ثم أنبرى في مكالمة بعد أن حرك كرسيه مديراً لي ظهره

لم تسمح لي الأسئلة المتدافعة لأنشغل لمحادثته التليفونية التي كانت تقطعها قهقهاته العاليه ... هل هذا ما كتبت ؟ أم هو لكاتب أخر لا أعلمه ؟ ... دفعني الشك لإستراق النظر في الأوراق ... بلى إنها كلماتي التي خطتها يدي , ماذا إذاً ؟ ... هل خدعني هؤلاء ... أنا أكتب منذ فترة ليست بقليلة في مدونة يمر بها القاصي والداني ... فيهديني كلمات الإعجاب التي تسمو بي عالياً.. فتهديني أجنحة أحلق بها في عالم الخيال ..."    كلماتك تلهب تفكيري ...    أنت مُبدع يا صديقي أستمر ...    أنت كاتب بالفترة  لا أجد كلمات تعبر عن إعجابي ,   لماذا خدعتموني وجعلتم مني أضحوكة أمام من لا يرحم  ليقص أجنحتي المرفرفة لأهوي على رأسي؟ لماذا لم تصارحوني ووهبتوني شرفاً لا أستحقه , نعم الكتابه فن  لايستحق شرفها  إلا من يجيدها.. يجيد عزف حروفها بقلمه على أوتار السطور  ...يجيد مزج ألوانها وخط خطوطها على لوحة ليرسم صورة تنطبع في عقل القارئ فيتوحد مع الكاتب فيصبحان واحداً ..فيجد القارئ نفسه يجلس بجوار البطل في حافلة مكتظة يشعر بحرارة الجو .. والصهد المتصاعد من الأجساد , أو تتصارع نبضاته مع الأحداث فتجده مُطارداً في أزقة مدينة فقيرة ... أو حتى في عراك بالسيوف في سوق شعبي ,يشعر بحرارة الدم المتفجر من الأوصال المقطوعه .... يقطع تفكيري صوته بعد أن أنتهى من مكالمته وقد لاحظ على وجهي الوجوم وكأنه قرأ على وجهي ما يجول داخلي فنهض من مكانه وعلى وجهه إبتسامه لم أفهمها , جلس أمامي واضعاً يديه على ركبتي
" أنت كاتب ... موهوب يا عزيزي .....لا تصدق أي كلام قلته لك منذ قليل " .....
أرتجت رأسي .. وهززتها بشكل لا أرادي كرد فعل , مستفهماً  "ماذا تقصد ؟

جذبني من كتفي لأقوم من على الكرسي وأنا أكاد لا أصدق ما أسمعه وداخلي بوادر راحة وطمأنينة جاءت بعد مشقة وكبد وكأنك  سكبت ماءاً بارداً فوق مِقلاه ساخنة جداً فيتصاعد منها أبخرة من الغيّظ ... وقفنا أمام نافذة كبيرة مطلة على النيل وأنا مازلت أتمتم بعبارات لم أجعله يسمعها
ثم قفز فجأة عائداً بجوار المكتب .." نسيت أن أسألك ماذا تحب أن تشرب ...!"  ودق على جرس مثبت في مكتبه فدلفت فتاة تطرق بكعبها سريعاً كأنها كانت تقف خلف الباب , فأستفزني مظهرها فأشحت بنظري فسألني ماذا أشرب ؟ ...   فهززت رأسي رافضاً , فقال لها "أحضري له ليمون  ...
هل غضبت من مزحتي معك ؟  لا تغضب كنت فقط أختبر ثقتك بنفسك ... إليست مُزحة لطيفة
فبادرته " بل مزحة ثقيله وسخيفه
ماذا؟؟؟ .... قالها وكنت متأكد أنه سمع جيداً ما قلت ... لكن وكأنه يعطيني الفرصة لأغير ما قلت .

Wednesday, June 20, 2012

مدونات مشتركة في حملة التدوبن اليومي .... أتابعها

مدونة مصطفى سيف   ... طير الرماد

  In Depth          مدونة داليا رحاب  

مدونة سارة جمعة      في السكة   
          
مدونة شيرين سامي     حدوتة مصرية

مدونة نيللي عادل   شخـــبطة

مدونة حنان الشافعي    أرملة البحر

مدونة لبني محمد انور ... مُفردة 

مدونة إنجي إبراهيم ... تكتب تحكي

مدونات هبة فاروق


مدونة غادة محسن    بستان افكاري

مدونة ديارا المصري   ناقصني إني أطير

مدونة نهرالحب 

مدونة موناليزا    أمة الله 



مدونة زينة زيدان    شروق الشمس


Thursday, June 14, 2012

لم تحتمل أن تراه يُقتــل مرتين


حدثني قليلاً عن شعور الأمهات عندما يشعرن بمرارة اليُتم , رفعت يديها في تضرع إلى السماء وأطلقتها في السماء ....... يــــــــارب
شعرت حينها أن أيّ كلمات أو عبارات للمواساة والتخفيف ... مهترأة ومهلهلة تفضح وتلهب لا تسكن وتخفف , شعرت أن الصبر ضئيل بجوارها

نظرت لي وعينيها فيهما أثر إحمرار و رقرقة لا تثير في النفس إلا رغبة في البكاء بلا جدوى فأنكسرت ... فتسيل خيوط من دمعها العذب  ويتسع داخلي صدعاً فتمد يمناها إلى خديها بشالها الأسود فتمسح الدمع و لا تمسح الحزن .

من لي غير الله " .... " أتقتلوه مرتين ؟" ....
مرة بالرصاص ... و مرة بالصمت , الله موجود ومُطلع على الظالمين

مُطلع على ألمي ... ستذوقون ألمي , مرارة الفقد , كان بالأمس يركل بقدميه في أحشائي ... أكاد أشعر بنبضه بين ثنايايّ
أشعره يقضم ثديي بشفتيه الرقيقتان , ملمس جلده الناعم , أهدهده أغني له وأمسده وأسكنه قبره بنفس اليديّن التي كانتا تلقفه في الهواء فيكركر ويضحك ضحكة كزقزقة الطيور ... الأن لا يضحك , هو حزين
حزين ...  كما كنت ألمحه هناك...  قابع أسفل منضدة الطعام .. يحيط بذراعيّه قدميّه المضمومتين إلى جسده الضئيل ... يجهش بالبكاء تارة ويمنع نفسه تارة .. بعد أن ضربتهُ أو حرمتهُ , ولو و آه من لو ... لو كنت أعلم  ...

ورفعت عينيّها المُنهكتيّن إلى السماء , تهز رأسها هزاً طفيفاً إلى الأمام وإلى الوراء ... وتتمتم بعبارات لا أكاد أسمعها ... فخفت أن يمسها الجنون , فهذا الوجع لا يقوى على إحتماله إنسان ... فأقتربت و تقدمت يدي متردده ثم أرتدت سريعاً تمسح على مؤخرة رأسي تتحسس شرخاً
ثم عادت على مهل إلى أن لمست كتفها فأحسست برعشات جسدها المضطرب تسري إلى جسدي ... فقبضت على كتفها وقبض البكاء على صدري يعتصرني إعتصاراً ... فوجدت نفسي أرتمي على كتفها وهي من
تربت على كتفي .

قالت لها... أنها رأته وهي تهدهده وتغني له لينام ... فنام ونامت وهي تلمسه بخدها , فقامت من النوم على ضوء شديد يخترق جفنيّها   فقامت على إبتسامة ثغره  وكانت بإتساع الكون .. مسح على رأسها و حملها وضمها إلى صدره وهدهدها كما لو كانت طفلة ... كانت هي الطفلة وقفا حذو النافذة .. وأشار لها وهو يبتسم إلى هناك ... فنظرت

وبعد أن أستمعتُ إلى حُلمها التي رأته وسردته لإبنتها ... وروحها ترفرف وقلبها قد أمتلئ بإبتسامة إبنها التي لم تفارقها منذ أستيقظت ... هممت  مُندفعاً طارقاً بابها .... أمسكت أبنتها يديّ وقبضت عليها ... وهي تجاهد دمعة تحاربها ...

 فتغتصب نصف إبتسامة " هي الأن سعيدة"
لم تحتمل أن تراه يُقتــل مرتين

Tuesday, May 08, 2012

هُم تحرروا ..

تتوالى الصوّر طيلة شهور طويلة منذ قيام الصورة .... بل تنهمر على رأسى وتظل راسخة بالذاكرة لفترة ليست بقليلة ... صور كنا نقرأها في الكتب بطولات كنا نظنها خيالاً .... بطولات أهل بورسعيد وأهل القناة وصائدي الدبابات والطائرات  ... أو حتى نراهم في أفلام هوليود والتي صدرتها لنا أمريكا .. لنترك الفيلم بعد أن نجفف بضع دمعات ذرفناها تأثراً بمشهد إنقاذ البطل للبطلة .. أو غيرها من القصص الملهمة بالفعل والتي أحترفوا كيفية صنعها وتسويقها للعالم

تلك الصوّر المنهمرة التي أراها اليوم .. لشاب لم يتعدى العشرين عادي جداً لا يشبه أبطال هوليود .. لا ينبعث من عينيه مثل ذلك الشعاع .. ... أو أخر ترك أسرته الصغيرة و دكانه أو حرفته الصغيره ...ليلحق بإحدى المظاهرات ويضحي بيومية ضئيلة ... أو شابه جامعية يمكنك أن تلامس كتفها في أتوبيس النقل العام .. فتعتذر لها فتبادلك إبتسامة رذينة تقول لا عليك .. أو تلك المنتقبة التي تراها بزيها الفضفاض تستقبل نظرات إستهجان أو رفض أو نبذ في بعض الأحيان ... وأحيان أخرى ينظرون لها نظرات خوف أو خشية أو إرتياب ......

ما رأيتهم في الصور و في مقاطع فيديو تحبس الأنفاس أو في الميدان وقت الحرب ... ما هم إلا أنا و أنت وأنتي .... لهم نفس ملامحنا ... بشرتنا السمراء أحياناً .. بشرتنا التي أحترقت بشمس يوليو ....
لهم نفس رائحتنا .. رائحة الطمي ... يتنفسون نفس الهواء المشبع بعادم الباصات المتهالكة المكتظة .. سيارات الأمن المركزي ... وربما يعانون من " الأنيميا " ... وأمراض أخرى متوطنة منذ ثلاثون عاماً أو يزيد

 ولكن لحظة ...
هناك شئ مختلف ... مع كل صورة ملحمية جديدة ... أشعر بضألتي أمام تلك القامات ... أشعر بضألتي أمام تلك البطولات الشاهقة
وكأن أشعة ما تنبعث من داخلهم فتضفي عليهم مسحة براقة ... هالة تشبه هالات القديسين ...  إذا لم أكن رأيتهم بعينيّ لما كنت صدقت أبداً أن هذا حقيقي ... أنا ... أنا لست مثلهم ... بل هم أختلفوا ..أنطلقوا في سماء الأختلاف .. فتألقوا كنجوم بعيدة نراها ولا نلمسها 

هم تحرروا .. هشموا كل الأطر و التابوهات والأعراف والتقاليد والمفروض والممنوع والخوف .. هشموا كل ما هو ظالم و متجبر ... كل ما هو أبله وأرتضاه المجتمع من المُسلمات ... هم تحرروا وأستمدوا من الحق قوته وجبروته أستمدوا وهجه الذي يغشي الأبصار ... هم تحرروا وأطلقوا المارد .. الذي يرتعد منه كل ظالم بالرغم من عتاده ورصاصة و قنابله التي لم تعد تؤثر .... هم تحرروا ... ونحن لم نتحرر بعد !ّ

Tuesday, April 17, 2012

أنا والضابط شريف



الساعة تعدت العاشرة مساءاً وأنا منكب بين الأوراق منذ ساعات في مكتب , مكوثي حتى هذا الوقت كان تحدياً سافراً لقواعد المكان , ولكن كانت المهمة تقتضي ذلك وكان السهر حتمياً مع " شريف ", أو حضرة الضابط " شريف " ... هكذا تقتضي قواعد المكان.
رغم أن فرق السنون بيني وبين شريف ليس كبيراً ... فهو يكبرني بسنة واحدة فقط , كان منهكاً هو الأخر ... منكباً على الأوراق على مكتب أخر , دلفت إلى ملفات الموسيقى على جهاز " الكومبيوتر " .. وحتى أكثر ملل العمل المستمر ... شغلت بعض الموسيقى ..... فيروز

فيروز ... كانت تذكرني بالخارج ..... خارج الدوائر الصفراء , الدوائر المموهه , القواعد , والأيام , والأسابيع ,والشهور كانت تنسيني كل شئ , حالة كاملة من الدفئ والشتاء والحب والوحدة والوطن الغائب والطفولة و اليأس والطيور والزهور والبحر ... والفتيات الجميلات .. صبية الأزقة والركض ... عالم ساحر من الحواديت اللانهائية كفيلة بصنع غمامة كثيفة حولي تفصلني عن الكون رغم أن في قلب الكون فتخلف مذاقاً جيداً بعد الدندنة في سري ...

قاطعني الأخر .. الجالس في الطرف الأخر من الغرفة

"شغل منير ... ! "
" مش بتحب فيروز ولا إيه ؟ "
" لا بسمعها ساعات.... انت اللي مش بتحب منير ؟ "
" عيب ..إزاي ... حاضر من عنيا "
" شوف كده .. أغنية " إيه .. يابلاد يا غريبة "
"ذوقك عالي ياباشا ... "

تسربت موسيقى ثمانينية ... وصوت منير يبدو غضاً كأنه يغنيها تواً بيننا الأن ... أخذنا ندندنها سوياً ... " يا خطاويَّه الغريبة ...
دنيا ولا متاهة؟ دايرة و بندور وراها
في صبحها و مساها .. آهة و راها آهة
يا خطاويَّه الغريبة ....

أعقبنا الدندنه بضحكة عالية رغم حزن الأغنية البادي من الكلمات .. ضحكة أظن أنها أيقظت النائمين ...

" واضح إن إنت بتعشق منير .... ؟"
نظر لي شريف ... بعينين مبتسمتين وكأنه كان ينتظر هذا السؤال في لهفة ويريده بشده .... " طبعاً ... أكيد ... الحمدلله إن جيلنا إتربى على أغاني منير ... مش حد تاني "

على رأيك .. .. " هو صحيح ... إنت وصلت فين في موضوع البعثة ده ؟"
أه ... الحمدلله لحد دلوقتي ... في مقابلة الأسبوع الجاي ..هاخدك بكرة بعد طابور " الهتاف * ... نقعد نتكلم شوية كده .

" من عنيا ... حاضر , لكن يارب نخلص من الملفات دي ... "

" يا بني .. ولو الملفات ما خلصتش إيه اللي هايحصل ... يا عم فُكك "

" ياسلام ... يا فندم أنا عسكري غلبان عايز أخلص جيشي في معاده .. إنت ناوي تقعدني معاك هنا على طول "

" طيب .. طيب إطبع النموذج ده ... عشان ناقص هنا عندي "

كام نسخة ؟

لحظات قليلة هي التي أشعر بها في هذا المكان أنني إنسان طبيعي غير مُنساق للأوامر والقوانين ... وكانت تلك من اللحظات القليلة ... حيث كان الضابط " شريف " يجلس متجرداً من " النجمتين " ... يجلس ب "ترينج" ... و " شبشب" ..... وأنا الأخر .. ورغم أن هناك سنة واحدة في العمر كانت الفرق ولكن هناك حولي ستة "رتب" عسكرية تفصل بيننا ... رتبة واحدة فقط كفيلة ب"تنغيص" حياتي , ولكن في الحقيقة هذا الضابط تحديداً كان قريباً من قلبي .. وكان هو تحديداً يحب الحديث معي دائماً حتى أنه حينما تم إختياره للتقديم في بعثة للولايات المتحدة .. جاء لي وطلب مني مساعدته في اللغة ... فرحبت بتلك الفرصة الذهبية لتحريك اللغة الراكدة في قعر الذاكرة .....

هل لو كنا تقابلنا في ظروف غير الظروف ... ومكان غير المكان لأصبحنا أصدقاء ... فنحن مشتركون في الأهتمامات.. ولماذا " لو" نحن بالفعل أصدقاء .. فهو يسمع فيروز ومنير ... نعم و أستعار كتاباً مني من قبل
( ربما لم تعجبني طريقة الإستعارة ولكن لا يهم .. المهم أنه أرجعه )
كان كتاب " إستمتع بحياتك " للعريفي " ... وأبدى إعجابه به ولكن كنت أشعر بعض الأحيان .. أنه ....

محمد ... محمد !!

أيوه يافندم ...

إنت نمت ولا إيه .... إملى بيانات الورق ده بسرعة ... يالا

أخذت الورق في صمت وبدأت ملئ البيانات .... وتركت ما كنت أقوم به

" محمد عايز أسألك سؤال ... بس تجاوبني بصراحة وما تخافش ؟"

إبتسمت ... خير يا فندم

" إنت إيه رأيك في شخصيتي ؟ "

إستغربت السؤال ... لم يكن متوقعاً أبداً , ولكن هذا يدل أني بالفعل مُقرب إليه ويهمني رأيه ... جيد , إبتسمت إبتسامه عريضة

" أنا هأقول رأيي ... لكن ..ممممممم

" أقول ... ! "

" بصراحة أنا أول ماشفتك ..أفتكرتك ضابط " إحتياطي " ...شكلك مش حربية خالص "

" أنفجر ضاحكاً ... حتى أنه رجع برأسه للوراء ... فضحكت بدوري

" للدرجة دي .. شكلي طيب مش كده ومش شرير زي ضباط الحربية "

"حضرتك هاتوقعني في الغلط ليه ... أنا قولت كده ؟ "

" إنت يا بني .. ماشفتنيش أول ما جيت الوحدة ... أنا كنت موقف الوحدة على رجل واحدة ... كنت لسه ملازم بقه ومليان حماس ... بس خلاص زهقت ... الحياة مملة زي ما انت شايف ... وسفر ومشاريع وتفتيشات وبهدلة وتحكم ... ده أنا صعبان عليا خطيبتي من دلوقتي .. مش عارف هاتتجنن لما نتجوز ... !

" إنت خاطب ... ؟ "

أه ... ده لسه قريب .. تانية علوم ... "

هاتعزمني عالفرح ؟

رن الهاتف المحمول ... أدار ظهره ... بينما عُلقت أنا بين السؤال والإجابة
ربما لو كانت شائت الأقدار لكنت أنا ضابط إحتياط بدلاً من كوني جندياً... فنصبح أصدقاء !
واتتني تلك الفكرة .. وكأن كان هناك جانب داخلي غير مقتنع بتلك الصداقة التي أحاول أن أقنع بها نفسي .. كأنه يأبي فكرة كوننا أصدقاء .... ويرفض الوقوع في حفرة " ربما " وهاوية " لو" ..... ويعترف بالأمر الواقع .. أما الجانب الأخر ... يتعامل كوننا بالفعل أصدقاء .. ولا عوائق .

أنهى الضابط شريف مكالمته ... ينظر في ساعته .." يااه الساعة واحدة "
أنا جعت .... أنده يا محمد للعسكري بتاع المتابعة وقوله يجهز أكل .. ويطلعه هنا ... فنفذت الأمر سريعاً , دقائق وجاء العسكري الخاص به ... بصينية كبيرة مملؤه بعدد من الأطباق .. " ماتنزل يا باشا تحت في الإستراحة أحسن "

" لا .. لا ... لسه هانزل وأطلع "
" وبينما أنا منكب على الأوراق ... في صمت يقطعه قضمات الضابط "شريف " وصوت الأطباق المهتزة على المكتب الغير ثابت تماماً على الأرض "

شاء جانبي الشامت الأن أن يذكرني بعبارة قالها ضابط ذو رتبة كبيرة لنا نحن الجنود .. عبارة لم أشاء أن أتذكرها أبداً .

نهضت فجأة ... أستئذنته و هممت في الخروج من المكتب لأجعله يكمل طعامه ... فإذا به ينادي عليّ ... ألتفت إليه ...

" محمد .... تعالى ... شغل أه يا بلادي يا غريبة "



إيه يا بلاد يا غريبة .. عدُوة ولا حبيبة؟

في الليل تصحي عيونِك .. و نجومِك .........................

Tuesday, December 06, 2011

كان الميدانُ جسم أحمدْ. وطنٌ من نوع آخر


أحمد  كان يحلم يوماً ... كان يرى وطنه في عين حبيبته  , أحمد كان شاباً يرتدي الجينز ... يطلق النكات " الأبيحة " أحياناً .. كان يخاف أبيه ويُجله كثيراً  ... وإذا أراد طلباً يذهب إلى أمه في المطبخ  ... يمسك بأي شئ على طاولة المطبخ  ليساعدها  ...فتنظر له أمه ,نظرة بطرفها .." عايز إيه ؟" فيبتسم أحمد إبتسامه نصف ماكرة ونصف بريئة ....تلك الإبتسامة التي كانت تحبها كثيراً  حبيبته...  كان يدخن الشيشة أحياناً  في جلسات الضحكات العالية مع الأصدقاء .و تلفت أنظارهم الفتيات الجميلات اللاتي كان يمرن بين الحين والأخر ... كانوا يتبادلون القصص والحكايات ... عن الذكريات والأحلام والأمنيات ... التي تصعد كلها إلى السماء دفعة واحدة

كان أحمد كائناًَ يقتات على الأحلام ... وكانت تشاركه إحداهن... يوماً ما " سأزوركم في البيت .. أجلس في صالون منزلك... ممسكاً في يدي " بوكيه ورد .. نقيت كل ورده فيه بنفسي " ... أعلم أنني حينها ستكون ركبتي " بيخبطوا في بعضهم " ... أنا الأن سأفعل كما يفعلون في الأفلام ... " عمي أنا يشرفني ويسعدني ... إني أطلب إيد بنتك " وأنتي هناك تختبئين وراء الستائر .. تترقبين وحالك لا يختلف كثيراً عن حالي ....


" انت متخيل فرحنا هايكون عامل إزاي ؟
مش عارف ... إيه رأيــِك نحتفل بيه إحنا الإتنين وبس ... ؟
تصف له الكوشه والمعازيم والسيارة التي سيزفان فيها ... تخبره عن كل التفاصيل

وبعد أن نكتشف ..أننا سنستقبل أملاً جديداً يُولد ...بعد تسعة أشهر...
يوما ما سنجلس سوياً نبحث عن أسماء ... نسمي بها أملنا الجديد في الحياة .... وسنعلم حينها من يحب الآخر أكثر ..أنا أم أنتِ ... " لو كان شبهك يبقى انا بحبك أكتر .. ولو كان شبهي يبقى أنتِ بتحبيني أكتر ..." .... طيب لو كان شبهنا إحنا اللي الإتنين ..؟ ..... واخد " مناخيرك النونو دي " ... بلاش بقك ... أصله كبير ... فتنظر له بغضب مُغلف بالحب ... وتضغط على شفتيها في غيظ ... وتوجه ضربه خفيفه بيدها في كتفه 





يوماً ما

... سأعمل في وظيفة أحبها وأتقنها جيداً ..
. يوماً ما " سأشتري أول سيارة بكل ما نملك من مال ... وتكونين " أنتِ " أول من يجلس بجواري ... نتسكع بها سوياً حول المدينة طوال اليوم ...  وحين ينفذ بنزين السيارة ... نترجل سوياً من السيارة المعطلة ... ندفعها سوياً ونحن نضحك ويظننا المارون أننا مجانين ...   حتى نصل إلى محطةالوقود .. فنفتش جيوبنا عن ماتبقى من نقود  " فكة " لنملئ بها خزان السيارة الجديدة "

" يوماً ما ... سنجلس كهذان العجوزان العاشقان ... في الشرفة

نرتشف الشاي مع " البقسماط " سوياً  في الصباح ... نتفرج على السيارات والمارة ... نجلس طول الصباح نتحدث ونتحدث ..ولا نمل من الحديث ... حتى تلفح أجسادنا الضعيفة نسمة باردة ... فنتساند خارج الشرفة ... إلى داخل شقتنا التي وضعنا كل جزء فيها بجوار بعضها البعض 

راح احمدُ يلتقي بضلوعه ويديه
كان الخطوة-النجمه
ومن المحيط الى الخليج، من الخليج الى المحيط
كانوا يُعدّون الرماحَ
وأحمد العربيُّ يصعد كي يرى حيفا
ويقفزَ
أحمدُ الآن الرهينةْ
تركتْ شوارعها المدينة
واتتْ اليه
لتقتلهْ
ومن الخليج الى المحيط، من المحيط الى الخليج
كانوا يُعدُّون الجنازةَ
وانتخاب المقصلةْ



كانت تتوجه كل يوم إلى الميدان ... على أمر أن تراه .. تتلمس خطواته بين الزوايا ... تتنفس بملئ رئتيها .. ربما تمر نسمات تحمل رائحته ... تبحث عن بقع الدم الباقي المترسب فوق الأرصفة ... وعلى الأسفلت .. بين الضمادات .. تتلمس الحوائط والأسوار والأشجار فربما أسند رأسه أو يديه هنا أو هناك ... تبحث عن بقاياه لتخزنها داخلها .. ذهبت هناك لتقف مع آخرون يشبهونه يحملون نفس ملامحه .. كأنه هو ولكنه ليس هو ... كان لهم نفس عينيه... نفس كفيّه  .. لكن مازالت تفتقد ذلك الجزء الباقي ... الضائع ... تفتقد الوطن .. كان وطنها هو أحمد ... مات أحمد... فمات الإحساس بالوطن داخلها ..!؟

 
لا تسرقوه من الأبدْ
وتبعثروه على الصليب
فهو الخريطةُ والجسد
وهو اشتعال العندليب
لا تأخذوهُ من الحَمامْ
لا ترسلوهُ إلى الوظيفة
لا ترسموا دمه وسام
فهو البنفسجُ في قذيفه
... صاعداً نحو التئام الحلم تَتخّذُ التفاصيل 


---------------------




الأبيات باللون الأحمر ... للشاعر محمود درويش من قصيدة   أحمد العربي

Saturday, October 29, 2011

والإنسان فكرة


ماذا لو واتتني الفرصة أن أعود لأعيش حياتي من البداية.... أعود إلى الوراء قليلاً  . تلك الفكرة التي تنتابني من الحين للأخر , هل بإستطاعتي حينها أن أمنع ... تلك الشعيرات البيضاء - التي مللت من عدها -  أن تتسحب في صمت إلى سواد شعري...   لن أمنعها من أن تقف متحدية ... معلنة عن نفسها ... معلنة عن الزمن
لن أستطيع أن ... أمنع الحيرة .. والحزن ... والجرح... هل أستطيع أن أمنع الألم ...أن أتجنب ما يؤلم ؟
ليس بمقدوري ... أن أمنع الخطأ من الحدوث 
لا أستطيع أن أتجنب..... ما هو مُقدر له الحدوث أو الوقوع 

   ولكن تلك الفكرة مُحببة إلى نفس الإنسان ... أن ينظر دائماً إلى الوراء ... أن يتمنى فقط ....."لـــو ..!؟

أن يتمنى تغيير ما فات رغم أنه يمتلك القادم في الحياة ويستطيع أن يغير فيها , فالحياة مازالت أمامي ..الزمن فيها كبحر واسع وهائج ... أمواجه المتوالية - كأحـــداث - ... عاتية كانت أم هادئة , نستقبلها على صدورنا أو ندير لها ظهورنا .... نقفز لنعتليها ..أو حتى نخترقها من أسفلها ..... وإذا  فجاءة  وجدت نفسي  في نهاية المطاف وحيداً , لا تلمس قدمي القاع بعد أن عبرت المنطقة الآمنة ....لا أجد سوى لوح خشبي .... لأتعلق به

هذا اللوح الذي قد يكون بمثابة أمل .... أمل ولو بسيط في النجاه من الغرق .... أو قد يكون حبـــاً ♥   يبقيك حياً, يبقي قلبك نابضاً
أو قد يكون رجاءاً ..... أو أيماناً ..... إصراراً كان أو تحدياً .... حتى ولو كان ضئيلاً ... فالقليل منه يكفي
وكلما كان ما نتعلق به عالياً ....... كلما سما بنا إلى منازل أسمى 

أتذكر جيداً مشهد ذلك الرجل " الباكي " المتعلق بأستار الكعبة ... وذاك الشرطي يجبره على  الإبتعاد كما لو كان يبعد فراشات من حول مصباح وحيد  ذو وهج في شارع معتم جانبي , هو بالتأكيد لا يتعلق بالكعبة لذاتها ... ولكنه متعلق بمن هو أسمى ... بمن هو فوق السموات السبع ... متعلق برحمه , إذا إستطعنا أن نحصيه ... لما أتسعت له الأرض ولا السماء .... 
التعلق تلك الصفة الإنسانية الصميمة ..... تتداخل أحياناً مع التملك ولكنها تشمله ... فالتعلق ليس شرطاً أن يكون تعلقاً بكل ما هو محسوس وحتى إن كان ذلك فهو يخفي بين طياته معنى آخر 
فإحتضان كفي الدقيق بإبهام أبي ...... كان تعلقاً , ربما ليسري بعض الآمان إلى جسدي الضئيل 
وتعلقي بأمي وإلتصاقي بها ...... حباً ,  وتعلقي بلعبة ما ..... تملكاً , وتعلقي بفتاه ..... حباً من نوع آخر وتعلقي بالله .... رجاءاً ... وخشية وزلفى وتقرباً , ولما نبكي الأحبه عند الإفتراق ... أليس لتعلقنا بهم ... لتعلقنا بشخوصهم ..أصواتهم , أنفاسهم , روائحهم , أفعالهم وكلماتهم .....وكل تعلق ... يملئ داخلنا  فراغ لا بد له أن يُملئ.
وكلما تجذبني نفسي بعيداً لتعلقي بها هي الأخرى ..... أهرول عائداً لأتعلق بأستار روحي ... وخالقها .... كذلك الباكي المتعلق بأستار الكعبة .. المتعلق برحمته.

2

 
وبما أني قاربت ربع قرن في الحياة ( إلا سنة ) .... أهوى كثيراًَ أفعال الزمن الحميدة وليست الدميمة منها , فبعد أن باعدت الأيام بيني وبين حياتي  السابقه , أتوق كثيراً لرؤية هؤلاء .... شخوص حكاياتي الكبيرة رغم صغر سني حينها , ألست أنت أيضاً تشعر بنفس شعوري حينما تطالع ألبوم الصور القابع في الدولاب " وأنت منشكح ... " تتذكر هذا وذاك ... وتلتفت الأن لتراهم حولك قد تغيروا .... فتجد الأولاد ..أصبحوا أطول ونبتت ذقونهم ... وشواربهم إن لزم الأمر .... و لا يمنع أيضاً من أن " تطول ألسنتهم أيضاً " .....أما الفتيات  .... فتقال عليهن كلمة شاملة جامعة .... " البنات أدوّرو ...... ومش عارف أيه .. خرطهم خراط البنات .. والخرط عندي مرتبط ارتباطاً شرطياً بالبط"
نحن نندهش من فعل الزمن ..... فالإنسان ليس معتاداً على تغيرات الزمن الفجائية ... نندهش ولا ندرك أننا بصدد معجزة كونية  ..نندهش  بنشوّة ربما لأننا ندرك داخلنا أنها معجزة وهبنا الله إياها .
وصدقني .. لا تعول كثيراً على هؤلاء القادمون من الماضي .... " وهذا ليس تشاؤماً .. بل هو واقعية " فهذا الصديق بعد أن 
" أخشن صوته " إذا كان رجلاً ... أو أصبح أكثر هدوئاً وإتزاناً ... أو حتى جنوناً أو عصبية , طباعه بالتأكيد أختلفت .... ولكن يبقى ذلك الجزء الصغير ... الذي يشبه  الطفل الذي كان يلهو معك ... وربما تستطيعان أن تتشاركان لحظات محدودة ... باعثه ومحفزة للكثير من النشوة والفرح ... لحظات تتذكران فيها ما فات........ " وهي دي بقه اللحظات اللي بفتقدها جداً " ... ولا أستغرب أبدً أن أجلس وحيداً أضحك " مع تفسي " إذا تذكرت بالصدفة ... أو حتى بمرور شئ ما أيقظ تلك الذكرى بداخلي ....
وبذكر جزيئة ..." جزيئة بأضحك مع نفسي ....... أتذكر نفسي أيضاً " الشريرة المسكينة ... و هي تضحك ... أمام شاشة الكومبيوتر....  " ويمكن لما بنضحك قدام التلفزيون بتكون مبلوعة حبتين " .... لكن تخيل مرور " أحد هم" بجوارك  ممن يخشوّن كثيراً على قواك العقلية ....... وردود أفعالهم ........ ولكن في النهاية .... إذا باعدت الأيام بينك وبين أحدهم ... وعدت على أمل أنه مازال كما هو ذلك الطفل .... فالبتأكيد أنت مخطأ ,,, لأنك انت نفسك أتغيرت وفعل بكما الزمن فعلته الدنيئة ولم يترك لكم سوى لحظـــــات  .... تتذكرون فيها .

و ليس مجرد إكمالك لعدد ما من السنين ... تشير بشكل ما للزمن الذي قضيته على وجه الأرض .... ويطلق عليه مجازاً " عُمر"
حافزاً لتفكيرك العميق .... في حياتك التي وُهبت لك كجزء من خطة محكمة ومتقنه لأبعد مما تتخيل , ولكن يجب أن تفكر كل يوم أو كل أسبوع أو حتى كل شهر
أن تجيب على أسئلة ..... ربما يلتف عليك الزمن وينسيك إياها
ماذا تفعل في الحياة ؟
هل أنت مقتنع ... بما تفعل ..أم أنه مجرد كلام أجوف لا يتعدى حدود الغرفة أو حتى حدود الورقة ؟
وهل أنت تسير في الإتجاه الصحيح .؟
طوال السنين الماضية ماذا أنجزت ....؟
وكما هناك إنجاز ..... بالتأكيد هناك فشل ..." ما شاء الله ما فيش أكتر منه "  :)) ؟
هل تخطط ... " إذا كانوا بيخططوا لمتشات الكورة "  ألا أخطط لحياتي .. والتي سأعيشها مرة واحده فقط؟
تقييمك لعلاقاتك مع بني البشر أمثالك .. وعلاقتك مع الحيوانات أيضاً ..." اللي هم مش أمثالك "؟
في رحلتك العظيمة ... مالذي تريد أن تتخلص منه ..... وما الذي تريد أن تتزود به ؟

في الحقيقة - ويقال - أن ما يأتي بعد هذه الكلمة يكون كذب .... ولكن سؤال الإنجازات ده ... صعب جداً , وجلست كثيراً أفكر فيها ... والصراحة هو موضوع نسبي .. يختلف بإختلافنا .... فأنت يمكن أن ترى هذا إنجازاً .... وغيرك لا يراه إنجازاً ...
وخشيت أن لا أجد إنجازات طوال 24 عاماً في الحياة

هذه الأسئلة أجبت عليها بالفعل ... ولكن في المرة القادمة وغيرها من الأسئلة سأجيب عنها بإستفاضه أكثر وفي النهاية حاول أنت الآخر ..... أن تتسأل وتجيب... وتحول إجاباتك على أرض الواقع لإختبارها .....فهي ليست أرخص بل هي أثمن من فرضيات أينشتين و نيوتن ... هي تتعلق بإنسان ... بكائن لم يُخلق مثله... فأنت النسخة الوحيدة المتوفرة منك... بشفرتك الورثية الفريدة 
تفرد ...... أنت الآخر .....فعالمنا هذا لم يتطور إلا بالتفرد الإختلاف بداية من فكرة صنع" الميكرويف وفرشاة الأسنان  " .... حتى " فكرة... إنشطار الذرة ... وتكنولوجيا النانو ...والطيف ." .............. العالم ليس إلا مجمو عة من الأفكار ....والإنسان فكرة


و الإنســــــــان هو الحــــــل

Friday, August 12, 2011

مجرد إجتهاد


نظرت إلى الطفل طويلاً ... تأملته كثيراً وكأن صورة الطفل المتمثله أمامي أثارت داخله الكثير .. فيما يفكر ياترى ؟ يجهل بالتأكيد الغد تماماً , ينتظره الكثير و الكثير من التفاصيل ... تفاصيل الحياة التي سوف تغيره تماماً ... ربما رأيت نفسي فيه .. رأيت ذلك الطفل الغض الذي كانت أقصى غاياته في حياته الصغيره هي شراء لعبه جديدة يضيفها لمجموعته الثمينه ... او فسحة مع أولاد العم تتصاعد فيها ضحكاتهم وصرخاتهم الطفولية يطاردون فيها الزمن ولا يدركون أن الزمن هو من يطاردهم ..أفتقد براءته كثيراً .. أفتقد ذلك البال الخالي .

كنت ذلك الطفل المنطوي الهادئ الذي لا يتحدث كثيراً ... أرادوني طفلاً مثالياً وضعوني في قالب الطفل المثالي .. يضربون بي المثل في طاعتي وإذعاني الدائم ...وصراحة لم يتوانى أبي وأمي في إحاطتي بالحب والرعاية التي كانت تزيد في بعض الأحيان عن الحد.. مازلت أتذكر أمي في تلك الصباحات الغائمة وهي تمشط شعري وتضع عليه زيت رائحته نفاذه يسخر منها أطفال الصف ... أبي يأخذني من يدي إلى المدرسة كل يوم .. يحدثني في طريقنا القصير عن أنه سيشتري لي دراجه إذا أصبحت الأول على الفصل هذا العام ... وأجدني هائماً وعاشقاً لتلك القطعة المعدنية ذات العجلتين .. تناديني أجراسها من بعيد وتداعبني أشرطتها الورديه في زهو ...   أما أصدقائي أو بالأحرى زملاء الصف الذين كانوا يتفانوا في جعلي أضحوكة ..... مثاليتي وربما قصة شعري لم تعجبهم أبداً .. بالتأكيد قصة شعري بيد أمي لا بيدي وربما ساندويتشات " البيض" التي كانت أمي تدسها لي في حقيبتي المثقلة بالهموم .... ذلك الطفل الذي يجلس في أول " دكه "  ويمتلك كل الإجابات على الأسئلة المحيرة ... هو الطفل الذي يحظى بالقُبل من المدرسات الحسناوات منهم وغير الحسناوات ...هو الطفل الذي لم يعجب الكثير من أطفال " النمر الأزرق " هكذا أطلقوا على أنفسهم...... ولا أعلم حتى الأن حقيقة وجود نمر " أزرق " من عدمه .... ولكنهم كانو أطفال يمتلكون خيالاً خصباً .. ودائماً ما كانوا يُعاقبوا ويلاموا على شقاوتهم المستمرة  .

" المـــــوس أو الدحيـــح " ألتصق بي كليهما حتى فترة قريبة ولم أكن أبالي طالما أن الهدايا كانت تهطل عليّ بعد موسم الإختبارات فهذه دراجة وهذا كومبيوتر وهذا موبايل وهذا جهاز "بلاي ستيشن " وهذا وهذ وهذا .... حتى أدركت فجأة ودائماً ندرك بدون مقدمات .. وجدتني في السنة النهائية من المرحلة الثانوية ... كما لو كان حولي ضباب كثيف لا أرى من خلاله أي طريق او حتى زقاق ضيق ... فجأة أدركت أنني بلا رؤية واضحة للغد ..
" أمنية حياتي أن أعمل في مجال هندسة البترول "  كان هذا أحد الأصدقاء
أجبته " إشمعنا ؟ " ...  " حابب أكون مهندس بترول... بيقولوا شركات البترول مرتباتها عالية "
" أه ..." 
تركت فعل  التمني لأبي وأمي .. فمنذ أن كانت أمي تمشط شعري وحتى أصبحت في طولها تقريباً وهي تتمنى بمشاركة أبي حُلمي بدون أن يشركوني فيه , موقنين تماماً أنه حُلمي بديهياً....  " حلمنا ان نراك طبيباً مشهوراً " .. تلك الجملة التي تكررت حتى بت أشك أنها أمنيتي أنا .. باتت تتكرر داخلي كصداً لصرخة في جنبات أودية وجبال .  ولا مجيب .؟

" اقولك أدخل كليــــة   .....

 يا عم والله حقوق وقدم في النيابة 

المدرسين دول يا معلم... واكلينها والعة ...... 

مافيش أحسن من المحامين .... 

أفتحلك صيدلية 

دكتوووور ...قد الدنيا 

إنت عارف السفير بيقبض كام 

إيه رأيك في حربية .... 

تيقنت أن حيلة أبي القديمة " الحمار والجزرة " لم تعد ناجحة ... وتيقنت أيضاً أنني أسير في طريق لا أختاره ,وتيقنت أنني أصبحت لا أملك إجابات لكل الأسئلة المُحيرة , فالأمر بات مُعقداً وتعدى كونه سنة دراسية ما , أحصل فيها على درجات عالية ومن ثم يهدياني هدية ما تذهب نشوتها بالتدريج , هذا الأمر أصبح يتوقف عليه الغد برمته ... بنسبه كبيره ما سأختاره الأن سيحدد  المستقبل ....الذي يخيفني كثيراً . 
اتذكر جيداً حتى الأن دموع أخي التي لم أراها بتلك الغزارة حين وفاة جدتي , 96 هذا الرقم الذي يقترب من المائة وكان بصحبته بعد الكسور المعتوهه , كان هذا الرقم المحوري يتوقف عليه حياة إنسان ببساطة , باالتأكيد أبالغ ولكن لو كنتم شاركتموني بيتي واسرتي في تلك الأيام .. التي أقل ما توصف بالغير لطيفة أبداً ... فغيمة من الوجوم قد ألقت بظلالها الكئيبة على بيتي فترة طويلة فلسوء الحظ لم يستطع أخي برقمه الذي أصبح مصدراً من مصادرالتشاؤم لبقية حياته أن يلتحق بكلية الطب .. حُلم أبي وامي الأبدي .

ولكني لم امتلك بديل أخر غير ذلك الطريق " معقولة  تجيب مجموع كبير زي ده وتضيعه في كلية مجموعها أقل " ...... فمعظم الأمنيات المتاحة في فاترينات الامل مرتبطة بالعائد المادي الأوفر.
"دكتور "  سمعتها حتى قبل أن تخط قدماي الكليه وبدأت تدريجياً في تغيير تسريحة شعري , وأضحت البثور الملتصقة في وجهي أقل , ونسيت لقباي العزيزان اللذان كانت علاقتي بهما بمثابة عشرة طويلة لا تهون الا على اولاد ....
كانت بداية تفتحي على العالم الخارجي المُغري , وكان من المفترض أنني واحد من العباقرة المتفوقين دراسياً , وصراحة فنحن نستحق , يكفي فقط عمليات الإحتراق الداخلي والنحت والفحت والكحت .
عندما يتعرف الإنسان على تلك العوالم الخارجية التي كانت مجهولة بالنسبة له ويبدأ في تحسس تلك المسارات الخفية بالنسبه له بالرغم من كونها أمامه طوال الوقت , تزامن مع بداية دراستي الجامعية ولادة حُب جديد , وربما لأول مرة في حياتي أصبح شئ ما يستحوذ على تفكيري وبالتأكيد في المرتبة الثانية بعد الإستذكار , وبالرغم من فرحة عائلتي الشديدة ولكن كنت مطالباً دائماً بالإجتهاد في الدراسة ... فكما تقول أمي " لازم تحافظ على مستواك وتجتهد ... انت لسه مش دكتور .. السكه طويله .. ذاكر " وأبي يمدني بتلك العبارات التي تفقد معناها أحياناً من كثرة ما تلوكها الأفواه " المحافظة على القمة أصعب من الحفاظ عليها "


فالنعد لحُبي الأول الذي لا أعلم كيف بدأ وأين ومتى ولماذا , فقط كل ما أتذكره أنني وجدت متعلقاً بشدة بتلك العدسة التي أنظر من خلالها إلى العالم , محاولة أخرى مستميته من الأنسان أن يحبس الزمن داخل أطر ... صورة بأربعة أركان , ربما أعوّض ما فاتني من العمر داخل ذلك الصندوق الصغير , أعتبر أنني عدو للوقت والزمن , لأحتفظ بمجرد صورة تحمل بين طياتها ذكرى ما تضئ داخلي أنا ... مصباح أو قمر مكتمل , ولكن ما لا لم أتوقعه أن لا يقتصر هذا الضوء على داخلي فقط ولكن يضئ لي بوضوح طريق .. ضوء يشق لي طريق وسط ضباب كثيف , ضوء يلقي بظلاله المُبهرة ... وأخيراً  على حُلمي , أصرخ بشدة كالمجنون ....
الأن أصبـــــــــــح لــــــــــدي حُـــــــــلم ... ولكن 


يا هل ترى ما وقع ذلك على أبي وأمي ... أن يعلما أننا بصدد ترك الكلية في السنة الثالثة من أجل ...... كاميرا تصوير 
" أنت أتتجننت يا بني ... انت عايز أبوك يروح فيها ... إنت فاضلك اربع سنين بس وتتخرج وتشتغل "
"أضيع أربع سنوات من عمري على حاجه أنا مش عايزها .... على حلم غيري " 
" هو انت مش بتفكر الا في نفسك ...... أبوك وأمك عايزينك أحسن حد"
" أنا كده أبقى أناني ....... عشان عايز أكون حاجه عايزها ... ده أبسط حقوقي "
"إنت مش عارف مصلحتك فين "
" أنا عندي 21 سنة دلوقتي ... وعندي عقل بفكر بيه "


المشكلة أنك تصنع قراراً فاصلاً في حياتك وما أندرها تلك القرارات الفاصلة ... المشكلة الأكبر أن تلك القرارات يتوقف عليها سعادة وبؤس الآخرين , ولأول مرة في حياتي ... أجد نفسي أمام سؤال صعب , إجابته ليست في الكتب , بحثت وفكرت وبحثت وفكرت ... الكثير من التفكير والقليل من النوم والكثير من القهوة والقليل من النوم الكثير من الإنغماس في التصوير , كأنني أهرب به من الحياة المتحركة إلى الحياة الثابته الجامده , تصوير كل شئ وأي شئ عظيماً كان أم تافهاً .  أكتشفت بعد وقت طويل أن هناك أسئلة ليست في كتب نماذج التقويم ... أسئلة خارج المنهج للأسف لا يصلح معها الصم والحفظ الذي أعتدت عليه ... لأنها ببساطة ليست لها إجابات نموذجية .... أسئلة بلا إجابات نموذجية أو محددة ........... مجرد إجتهاد 


أجتهدت وقررت .... أليست تلك الشهادة التي يريدونها , إذن أربعة سنوات ستهرول سريعاً كما مرّ غيرها وبعدها سأكون حراً .

" إنت عبيط .......... عايز تسيب الكلية وتدخل معهد "
" ده معهد سينما ......"



نظرت إلى الطفل طويلاً ... تأملته كثيراً وكأن صورة الطفل المتمثله أمامي أثارت داخله الكثير .. فيما يفكر ياترى ؟ يجهل بالتأكيد الغد تماماً , ينتظره الكثير و الكثير من التفاصيل ... تفاصيل الحياة التي سوف تغيره تماماً , بالتأكيد سيكتشف أن الحياة بها الكثير من الأسئلة ..... نتخيل أنها بلا إجابات ....... صدقني لها إجابات ولكن إجتهد فقط .. ليس شرطاً أن تكون نموذجيه .. ولكن إنه مجرد إجتهاد




Sunday, July 17, 2011

صورة ملحمية

صورة ملحمية .... نُحتت فوق جدران الزمن
حرباً كحروب ألهة القدماء ...
في الخلف هناك ...
القاهرة المثقلة بالجروح .. تُغير جلدها... تنسلخ لترتدي حُلة جديدة لعشاقها الجدد
مُعطرة بنسائم الحرية المنبعثة تجاهد غمامات الظلم الخانقة
.......
كان لقاء جديداً بين عاشقيّن ... . على صفحة النيل المُعتق
النيل الشاهد على قصتي وكل قصص العشاق
جيوش المحبين تأتي تتهادى .... يحملون قلوبهم عالياً
يهدونها لمعشوقتهم الوحيدة .. والأبدية
رغم أنها صورة خالية من ألوان مُبهجة ... ولكني أرى إبتسامتها هناك تظهر حُسنها الذي كاد يخبو خلف الخوذات والدروع السوداء لمائة عام ... من الوحدة