Monday, July 02, 2012

أُسْطورَةٌ الشَامَـــات



(1)
أصبحت تشبهُ أمها إلى حد كبير , كان وجهها مدوّراً , مُنمنم القسمات ذو أنف دقيق , وحين تبرز قتامة السماء تلألؤ النجوم وبريقها, كانت قتامة شعرها و حاجبيها الكثيفيّن يحدان وجهها الصغير فيظهر مُشعاً كقطعة من القمر و عينيّها في وسطه كزيتونتيّن , كان شعرها  مُصففاً بعناية الساقط على جبهتها الصغيرة يفوح منه رائحة زيت مميزة تزينه بأطواق , ألوانه كانت تعجبني ,حتى أنني تمنيت حينها أن أكون بنتاً لنتبادل الأطواق الملوّنة , كنت أذهب إليها لأجدها مُقرفصة أمام أمها على الأرض ومستسلمة لها تماماً تدير ظهرها لها وهي منهمكة في جَدل شعرها المنسدل , تبادلني أمها السلام بدون أن تنظر لي لإنشغالها , تسأل عن أحوال أمي وأخوتي فأجيبها وأنا منشغل أنا الأخر في متابعة الرسوم المتحركة
   
توطدت علاقات عائلتيّنا ربما لأننا تجاوّرنا في المسكن , وربما لأن أبيها كان يقلني إلى المدرسة , وربما لأن أمي أعجبت بكعكة التفاح التي صنعتها أمها يوماً , كان ما يوطد علاقة أي طفلين لم يتعدا الثامنة مشاهدة الرسوم المتحركة واللعب لمجرد اللعب و لكننا زدنا على ذلك الحديث , نعم الحديث , الحديث الذي يتخلله بعض الكذب اللذيذ , إختلاق المواقف والتقمص والبطولات الزائفة و أحلام اليقظة الطفولية و الأساطير التي كانت تتحول إلى حقيقة على ألسنتنا , فنعيشها رغم أننا لم نعيشها يوماً
 
كان مايزال لدينا خيالاً خصباً نحلق به بعيد عن المدرسة والفروض المدرسية والمدرسين والمدرسات و الحقائب المكدسة بالكتب والكشاكيل , لكي نحلق بعيداً عن الأطفال المشاغبون الذين يضايقوننا دوماً, يضايقونها تحديداً وأنا أهب كبطل من الخوارق لأدفع عنها الأذى ضد هجوم الوحوش الكاسرة والعصابات المدججة بالسلاح 

أتعلمين أنني رأيت سوبر مان يسير في السوق بالأمس , فتتسع عينيها منتبهة لكلامي وكيف عرفته ؟ .. فأقترب منها أكثر كأنني أخبرها مكان مغارة علي بابا  السريّ , لقد رأيته يرتدي زيّه الأزرق المُميّز تحت ملابسه ,  هل حدثته ؟   فأهز  رأسي و وجهي يكتسي  بخيبة الأمل .. للأسف , يبدو أنه كان مُستعجلاً جداً  , ربما كان  ذاهباً لإنقاذ أحدهم  من براثن الأشرار و المجرمين
فترتسم على وجهها هي الأخرى علامات خيبة أمل كأنها تواسيني
 
كنا حينها نظن أن الحياة  فيها فقط الأشرار والطيبون , ويمكننا أن نتعرف عليهم بسهولة  فالأشرار وجوههم مُكفهرة , عابسه , يضحكون بأصوات عاليه ضحكات شريرة متقطعة و لهم حواجب مزجزجة ومنكوشه ,أتضح لنا فيما بعد .. العكس تماماً , ليس بالشكل ولا بالمظهر يُعرف الأشرار فنخدع بسهولة  في البداية ,  بل أتضح لنا أيضاً أن داخلنا أيضاً أشرار ... داخلنا ذلك الجزء الشرير , الجانب الأخر من القمر , الجوانب الخفية والشوارع الخلفية الذي لا يطأها الكثير .. حتى نحن لا نطأها أحياناً ولا نعلم عنها شيئاً 

أتعلم ... قالت لي صديقتي أنها رأت ساحرة شريرة , أخافتها كثيراً عندما نظرت إليها , كان شعرها منكوشاً ووجها يملؤه التجاعيد ... تحكي لي ذلك بنبرة في غاية التأثر  بالحكاية  , و كأنها هي من رأتها وليس صديقتها, فأرد أنا بلا أي مبالاة مُظهراً عدم خوفي, وماذا في ذلك ؟ , جدتي  في وجهها تجاعيد أيضاً , أيعني هذا أنها ساحرة شريرة ؟
 
هل تمتلك مِكْنَسَة ؟  نعم جدتي تمتلك مكنسة تكنس بها أحياناً مدخل البيت ... لا لا , ليس لتكنس بها مدخل البيت , من أجل ماذا إذاً؟
لكي تطير بها , فأضحك أنا .. ساخراً منها فتغضب جداً , أتصدقين أن المكانس  والمقاش الخشبية .. تطير  
فتضربني ضرباً لا يؤلم وتجري وقد أنفجرت باكية لتشتكي أمي ... كنت أعود في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يكن نلعب ونجري مع أبناء الجيران في الحوش الخلفي , ورغم ضيقه كان عالماً شاسعاً بالنسبة لنا نصول ونجول فيه حتى نودع الشمس لا نمل ولا نكل ونكمل اللعب في شقة أحدنا ... حتى يحط علينا طائر النوم الكاسر فأغل حتى تحملني أمي بعد أن تنتهي من مسامرة هنا أو هناك وتودعني إلى السرير وأنا أحلم بالحكايات والأساطير .. 

هل رأيت شامة من قبل ؟   ما هي الشامة ... وكأنها أكتشفت قارة جديدة و أستطرد في حديثها المشوّق , كانت أمي تحمم أختي الصغيرة هذا الصباح ولمحت تلك البقعة الداكنة اللون على ذراع أختي , فقالت لي أمي إنها " شامة أو وحمة "    إنفجرت الأسئلة في عقلي حينها  هل هي موجودة عند كل الناس ؟ وما فائدتها ؟ هل من يمتلكون تلك الشامات تميّزوا عن بقية البشر , يمتلكون قوى خارقة  مثلاً وهل عندي واحدة مثلها ...؟  تسللت إلى المطبخ يومها لأحاول أن أعرف من أحد مصادر معلوماتي حينها ... أمي أمي هل تعرفين ما هي الشامة ؟

نظرت لي بإستغراب , وبلا أدنى مبالاة ... وهي منهمكة في تقطيع البصل ..  بالتأكيد , ماهي إذاً هل عندي واحدة ؟ وهل فعلاً أصحاب الشامات يمتلكون قوى خارقة ؟  صرخت في وجهي باكية من تأثير البصل  أغرب عن وجهي الأن " الله يخرب بيت الكرتون اللي بوّظ دماغك "
.... أبي .. أبي وأرتميت في حضنة متدللاً على حين غرة " كالقضا المستعجل"   فتكرمشت الجريدة
فحملني ليضعني جانباً بعد أن قبلني ... وقال بدون ان يلتفت " بابا يقرأ الجريدة "  ... فتأملته بنظارته الساقطة على أرنبة أنفه ممسكاً بالقلم يحل تلك المربعات السوداء والبيضاء .. ولم أكن أعلم كيف يستمتع بشئ صعب وسخيف كهذا , وأخترت الوقت المناسب لألقي أسئلتي في وجهه الواحد تلو الآخر ...." بابا .. هل عندي شامة ؟"    فلم ينتبه فأعدت سؤالي بنبرة أعلى  .. فأنتبه
شامة ... لماذا تسأل ؟ ... هل كل الناس عندهم هذه الشامه ؟ ,  بالتأكيد لا , نحن لا نشبه بعضنا البعض , هناك من يمتلكها وهناك من لا يمتلكها ... فوجدت العبارة صداً داخلي .. إذا أنا مُحق .. إنها شئ  مميز لا يمتلكها الجميع , ما حكايتها إذاً ؟ 
وجذبت أبي للحكيّ بعد أن أستلذه... حينما تتوّحم الأمهات يا صغيري في فترة الحمل على طعام معين .. يجدن أطفالهن بعد أن وُلدن قد طبعت على أجساد أطفالهم .. صورة مشابهة للطعام الذي توّحمن عليه ... فقاطعته وما معنى .. تتوّحم
تتوحم أي  ترغب في أكل طعام ما قبل الولادة ...  راقتني الحكاية كثيراً , حكاية ساحرة  , ياله من شئ رائع كم أود أن أتوّحم على 
زجاجة كولا فأجدها قد أنطبعت على جسد طفلي  بعد أن يُولد ... أبي .. أبي و على ماذا توّحمت قبل أن أولد ؟   ماذا ... من توحم ؟ أنت يا أبي  ...  كاد أن ينبطح على الأرض من شدة الضحك ... "الرجال لا يتوحمون يا ولد "  ... يا خسارة ... ماذا ؟
إذن على ماذا توّحمت أمي قبل أن أولد ؟ ...  إذهب وأسألها هي من توّحمت وليس أنا ؟...  فأدرت ظهري وشرعت في شق طريقي مُفكراً كيف أحاول أن أعود لأسأل أمي مرة أخرى ولا تضربني ...  وإذا بأبي يقول ... " أتذكر أنك بعد أن ولدت كان هناك شامة على وسط ظهرك "   فجريت حينها إلى المرآة المُثبته في دولاب غرفة النوم بعد أن شلحت قميصي ... ووقفت ظهري للمرآة أبحث عن الشامة ........  وبعد بحث مُضني
صرخت كأرخميدس ... وجدتها وجدتها ... ولكن ما هذه ... أنها بقعة داكنة اللون , بطول نصف عود ثقاب , ما هذا الشكل ؟ 
سيف؟  ... أنه سيف .. أي سيف يا أبله , لقد قال أبي "طعام"  ... إذن ماذا يكون؟

كيف حال بُرتقالتِكِ الصغيرة؟  ضحكِت وحينما ضحِكت شعرت بتلك الطفلة التي كنت ألهو معها . تلك الطفلة التي غاصت وسط إمرآة لم أعد أعرفها , تشبهين أمُكِ إلى حدٍ كبير ,عينيّك أصبحتا أعمق , يكسر بعضاً من بريقهما نظارة طبيّة , حاجبيّك الغزيران أضحيا   مشذبان أنيقان
ماذا تطلبين ؟   نسكافيه لو سمحت, وأنا  نسكافيه أيضاً ... شكراً 

سادت فترة صمت طويلة وحينما شرعت في سؤالها عن أحوال العائلة , كادت هي الأخرى أن تتحدث, فضحكنا... أنتابتني حالة من الحنين والإشتياق إلى تلك الأيام , تسألت هل هي الأخرى تنتابها نفس الحاله , تذكرت ذلك اليوم الذي كانت تعانق الشمس فيه السُحب التي تطوي داخلها بعض أشعتها الحارقة , كنا نجلس متجاورين وبدا عليها الحزن 
لا أريد أن أكون كبيره يوماً 
ولكن أنا أريد أن أكون كبيراً ... سأصبح في طول أبي ورفعت يدي في الهواء 
نظرت لي و كنت أرى بوادر دموع في عينيّها... الكبار يؤذون بعضهم البعض كثيراً , يسببون الألم 
لم أفهم حينها ما تقصد ولكن فهمت جيداً أنها تتألم 
 إذن سأخبرك أمراً لا يعرفه الكثير...   فقاطعتني.. عن الشامة , أتضح لنا أن الجميع يمتلكون شامات تحت ملابسهم ولا شامتك زادتك شيئاً ولا شامتي  فعلت .. إنها مجرد علامة
فأجبتها في إصرار .. سأعرف حتماً ولكن الأمر الجديد الذي أريد أطلعكِ عليه مختلف , هل تعرفين أين تنام الشمس طوال الليل ؟
لا أعرف ... خمني إذاً ... في البحر نعم في البحر رأيتها عندما سافرنا للبحر , كانت تغوص فيه ولا تخرج إلا ثاني يوم 
لا .. ليس في البحر   

5 comments:

شمس النهار said...

البوست جميل
بسيط
بيتكلم عن حاجات
وبعض الحوارات تحس انك خضتها شخصيا
:))

Aya Mohamed said...

, أتضح لنا أن الجميع يمتلكون شامات تحت ملابسهم ولا شامتك زادتك شيئاً ولا شامتي فعلت .. إنها مجرد علامة
جميلة جدا :))

أحمد أحمد صالح said...

استمتعت جدا بقراءة هذه القصة الرائعة أستاذ محمد،سعدت بوجودي هنا و دوما سأتشرف بالزيارة..تحياتي

مصطفى سيف الدين said...

بعيدا عن البوست هي ايه كعكة التفاح دي انا قريت عنها في قصص كتير و عمري ما شفتها في الواقع :)
زي ما قلتلك يا محمد لو انتاجك زاد و اتنشر بصورة توصل لكل الاوساط مش مجرد دار نشر متهتمش بيه هنقول بعدين كنا نعرف الكاتب ده اللي بيطلع على التلفزيون دايما
عجبتني جدا النهاية
انت دايما رائع

لبنى أحمد نور said...

حلوة الحكاية