Tuesday, October 30, 2012

مُبتَسَر



في مستشفى بمدينة ساحلية جميلة... أنطلق صراخاً أعتادته جدران غرفة العمليات و الأجهزة التي تحتل حيزاً لابأس من الغرفة , صراخاً أعتاده العاملون بالمكان , أعتادته الأسّرة ذات العجل  , كان البكاء هو اللغة الوحيدة التي يجيدها حينها وربما كان البكاء إعلاناً عن وجود ذلك الكائن الوردي الرطب ذو الجلد الرقيق  , يُطلق عليه إصطلاحاً طفل وليد لأبوين لم تزد غربتهما في المدينة عن سنتين
دائماً ما يكون للطفل الأول فرحة , خاصةً لو كان ولداً , هكذا هي التقاليد والعادات في مجتمع يغلب عليه طابع ريفي, مازالت تتسحب إليه المدنية , حينها إستقبل الجد حفيده الأول بسعادة ملأت عينيه ,يهزهزه ويمرجحه على قدميه , يغني له ليضحك " حج  حجيجه بيت الله والكعبة ورسول الله"بدي أزورك يا نبي  يلي بلادك بعيدة "  فيضحك الطفل  حين يقذفه في الهواء عالياً ليلقفه مرة أخرى بين ذراعيه .. يضمه كما لو كان لا يود أن يتركه إلى الأبد
قطع الخبز الصغيرة يقطعها ويُسقطها في صحنٍ خزفي له رائحة مُحببة للنفس , يغمر قطع الخبز بالحليب , ويقلبه جيداً حتى يصبح طرياً , يراقب جده بيديّه المرتعشتين وهو يمارس طقوسه الخاصة في صنع ذلك الطبق اللذيذ , ورغم أنه لايحب شرب "اللبن" ولكن ما أن ينادي الجد على الجده لتحضر ملعقة له .. يراقب الطفل جده وهو يرفع المعلقه الممتلئة بقطع الخبز المُبلله باللبن بيديه إلى فمه  ليفعل مثله .
يقلب بين أرغفة الخبز المرصوصة أمامه فيما يُعرف بالتعيين .. يتخيّر أسهلها في المضغ ليدهنه بقطعة جُبن .. مجرد إجراء إضطراري يقوم به يومياً حتى يقدر على إكمال اليوم على كلتا قدميه , غداً سيعود .. سيعود بالتأكيد إلى أحضان أمه ... أمه التي لايستطيع أبداً محوها من ذاكرته صورتها وهو يحمل حقيبة ظهر والسماء تودع سواد الليل ... وهي كانت تودعه بالدمع قبل أن يتوجه إلى " الهايكستب " ليتم ترحيله لوحدته .
أنطلق يشق صمت الفصل الذي كان يتابعه بنظراته  كأنه كائن هبط تواً من المريخ , وفي آخر الفصل وجد مكاناً له بجوار أحدهم الذي لاحظ بدوره , لسانه المعوّج وصمته الطويل .. قادم من الخارج توازي تماماً قادم من المريخ فلا يستطيع أن يجاريهم في أحاديثهم السافرة عن الجنس , ولا في سبابهم المستمر بالأب والأم كأنه تحية صباحية يستفتحون بها أحاديثهم التي لاتنتهي عن فتيات المدرسة المجاورة وعن تجاربهم العظيمة . فتاة ما الفتاة ؟ هو يخجل حتى أن يرفع عينيّه في وجه أي فتاة إلا واحده فقط,ربما لأنه أعتاد على مشاركتها اللعب منذ الصغر .. لا يعلم أين أستقرت بها مشيئة الله , هل تزوجت وأستقرت في منزل تربي أولادها تسقيهم الحليب وتغطيهم قبل النوم وتهذب لهم شعرهم قبل المدرسة .. هل أولادها أذكياء عيونهم تتقد بالذكاء مثلها تماماً
أم هي لم تتزوج, فقط كرست حياتها لدرساتها المستمرة وبحثها الدؤوب عن العلم بين أروقة الجامعات .. ربما وقع نظره عليها يوماً أو حتى أحتك بكتفها بدون قصد في أحد الحافلات ولم يتعرف عليها ,  هل تتذكره كما يتذكرها جيداً؟ يتذكر كلماتها التشجيعيه له وحثه على الإستذكار الدائم , نظر إلى الورقة ذلك الرقم ... رقم عشري مكوّن من رقمييّن هزيليّن أتفق كليهما على القضاء عليه
يحاولان أحكام ربط حبل اليأس على رقبته .. نظر للرقم الذي لم يتعدى التسعون وقرر أنه لن يعود إلى ذاك الطريق مرة أخرى , ذاك الطريق الذي رسمه له أباه , طريق ينتهي حتماً بأن يورثه معطفه الأبيض , خيّب أملهما فيه ,الحياة في مصر تستدعي مرتباً ثابتاً ووظيفه حكومية حين تتعثر قدميّك لتسقط ستجد مبلغاً مالياً حتى لو كان يسيراً تتكأ عليه .. وحين ينتهي بك المطاف  ستقف في طابور لتستلم معاشاً تستدفأ به في طقس بارد لايرحم, الأباء دوماً يريدون أبنائهم أفضل منهم ربما ليكّملوا الجزء الناقص فيهم , ربما ليتموا ما لم يستطيعوا إتمامه هم في حياتهم و ربما ليُشار لهم بالبنان هذا إبن فُلان.
الأبن طبيباً في السنة الخامسة عامين أو أكثر وسيتخرج من جامعته الخاصة التي كلفت أموالاً طائلة ,  لا بأس طالما أن أسمه أصبح مسبوقاً بحرف الدال ويسير في الطريق المرسوم بدقة , وبعد أن يُنهي الأب مكالمته التليفونية مع صديق قديم بعد أن أخبره أن يمر عليه ليأخذ بعض مراجع "الباطنة " .. يفكر قليلاً أليس كان من الممكن أن يكون إبنه هو من حظى بتلك المراجع الأن لو كان وافق أن يكمل حتى لو كلفه مبالغ طائلة,     سلمهُ صاحب مكتب الترجمة مبلغاً من المال دسه في جيبه وحينما وصل البيت , هرول إلى غرفته أغلق بابها و أخرج أوراق النقود المهترئة .. عدها واحد ..إثنان ..ثلاثة..  أربعة  .. خمسة  ..خمسة وخمسون جنيهاً هو كل ماتقاضاه مُقابل ترجمة مايزيد عن ثلاثون صفحة عن أنطونيو لوبيز دي سانتا أنا وإضطرابات المكسيك ..ودَ أن يعلقهم كما لو .. كانوا لوحة نادرة لأحد رسامي عصر النهضة, أدرك فجاءة بعد أيام معدودة أن الطريق ليس مُضيئاً أبداً ... ومتى كان الطريق ممهداً وسهلاً ؟  ناوله زميله عصاة طويلة وإبتسامة واثق وأشار له " هذه ستمهد لك الطريق وتذلل لك الصعاب "  أستهجن الأمر في البداية وبعدها أمر طالبته أن تفتح يدها بسرعة لتُعاقب على عدم تأديتها الفروض على الرغم أنها لاتستطيع أن 'r'  من  'k' تميّز  
  ..  مع أنها ترتاد المدارس منذ سبعة سنوات , أسف.. الحياة تضطرنا أحياناً أن نقوم بأشياء لا نود القيام بها أبداً  

فلم يستطع أبداً أن يبادل الفتاة الوحيدة التي أفصحت عنها مشاعرها وتركها وحيدة على مقعد أتوبيس عائد وبجوارها مقعد أخر شاغر .. ينتظر إنسان أخر لا يخشى الحب والإبتسامات الودودة  
نظر له وعلى وجهه إبتسامة ليس لها معنى " هل تريد أن تقنعني أنك رفضت وظيفة  بمرتب لا تجني نصفه الأن من أجل أن تعمل ما تحب ..أم من أجل حفنة أطفال ومراهقين في نظام فاشل .. أم من أجل ماذا ؟ ؟؟  من أجل ألا يأتي يوماً ويشعر فيه أن الحياة أضطرته أن يسلك طريقاً رُغماُ عنه , وربما يجد الندم يطرق بابه. والندم صوت طرقه على بابك يختلف دائماً  في المرة الأولى , بالرغم أن كلُ الندم يلتهم ,   ألتهمه الندم أول مرة حين وقعت عينيّه على أحد المشاهد التي خلفت بُقعة غامقة اللون , بُقعة هي خليط من الإثم واللذة كتفاحة آدم الأولى تماماً لتظهر له سوءاته جلية وواضحة فجاءة ,وتسقط البراءة كثوب أخير كان يحميه من وخذ القلق  ,  .. فيجري لكي يبحث عن جدته تحكي له حكاية علها تطهرهُ  ,ولكن لاجدوى,  تموت جدته يوماًً ولكن تبقى دائماً حكايتها تتردد داخله ليحكيها فيما بعد  ..وكقط يخشى زخات المطر في إحدى ليالي يناير .. يجري ليتفادى الإبتلال تحت الشرفات , كان هو يتفادى النظرات بالنظر إلى السطور كأنه يغوص فيها ولا يريد الخروج إلى السطح أبداً , بكلمات متقطعة كان يتلو قصته للمرة الأولى , يحاول أن يستمد ثقته المُنهارة من عيون المتابعين له .. وأنصاف الإبتسامات وإيماءات رؤوسهم .. يسمع جلياً صوت نبضات قلبه .. يهدأه الطبيب أنها عملية بسيطة جداً ولا تمثل أي خطورة ولكنها ضرورية لتخفيف آلم ضرس العقل 
تداخلت كل الأحداث في رأسه أحداث خمسة وعشرون سنة كأنها خمس وعشرون يوماًَ , كأنه مُلقى على سرير في وسط طريق ضبابي, كشافات الغرفة والوجوه تخفت وتسطع  كنجوم مُنهكة في أخر الليل , وجوه من في الغرفة مُقنعه  مجرد وجوه محايدة وجامدة لا تظهر أي ملامح أو مشاعر لا تظهر أي إبتسامات أو مطمئنات .. أمتدت يد مُغطاة بالقفازات تنبعث منها روائح المستشفيات لتثبت قناعاً مُتصلاً بأنبوب مطاطي شفاف ,  كانت الحياة تتمثل في ذلك القناع الذي يمد رئتيه الصغيرتيّن بالأكسجين اللازم للحياة ,لم يكتمل بعد لازال هشًا  ، وغير مستعد  للحياة خارج الرحم بكل مخاطرها , قضى أول ليله في صندوق زجاجي وسط أقرانه  يتابع أبويه وهما يتكئان على بعضهما البعض يبتعدان ليتركانه حتى يكتمل نمو رئتيّه الصغيرتيّن.



  .

4 comments:

Anonymous said...

قرأتها مرة ... بجد دمعت فيها كثيرا ... ربما وجدتنى أتحدث أيضا فى بعض المواقف...
فيها مشاهد واقعية توجع وجع طفيف...الوصف راااااائع جدا... الانتقال الزمنى بجد أعجبنى جدا وادى محطات حلوة للتأمل فى كل موقف وفكرة...
كنت أؤمن بمقولتك :" أسف.. الحياة تضطرنا أحياناً أن نقوم بأشياء لا نود القيام بها أبداً"
لكن صدقنى قد تغير رأيك فى لحظة وجود حقيقية وصدق مع النفس وقد تسخر بعد حين من رأيك هذا ... رجـــــــاء وليس نقد!
بلاش الضرب كأسلوب للعقاب احنا بشر ياانسان وحتى لو كنا حيوانات فنحن كائنات حية :)
أنا طبعا أقصد بطل القصة"الراوى" مش الكاتب !
القصة فى مضمونها رائعةأو دعنى أقول الأقصوصة لأن برغم تعدد المواقف الا انها لازالت تحتفظ بوحدة الزمن "لحظة أو فلاش" ...
عنوان الأقصوصة حلو معبر من وجهة نظرى!
لأنه ليس يصف الطفل فقط برأتيه الغير مكتملتان ... الأقصوصة أعمق من ذلك!
لانه أصبح الآن شابا 25 عاما وتكوينه الجسدى كامل ... لكنه "مبستر" معنويا وفكريا وشعوريا ... العنوان وصلنى كدا!
لن أطلب تفسيرا له لان هذا يقلل من ابداع الكاتب لكن أطلب تأكيد على المعنى:)
دمت مبدعا استمتعت بها كثيرا حقا
...
Hanaa Art

إنسان || Human said...

المقولة الخاصة بأن الحياة تضطرنا إلى أن نقوم بأشياء لا نود القيام بها أحياناً

أحياناً وليس دائماً بالتأكيد .. وها أنا ذا أنتظر بالتأكيد أن أسخر من نفسي يوماً :)))
من يتمنى أصلاً أن يكون مجبراً


رجاؤك أخذته في الاعتبار بكل تأكيد
وعلى فكرة دي أول مرة أعملها

وطبعاً هذا هو ما أقصده تماماً من العنوان .. الغير مكتمل
أو المبتسر وليس بالضرورة البنيان الجسماني

وأخيراً .. أسعدني بالفعل تعليقك ورأيك ... ومنوّرة المدونة :)

Anonymous said...

عزيزي انسان

بخصوص العنوان فلا يمكن أن يكون شيء أروع من موافقته المحتوى والقفز بالزمن مع وحدته تماما

كأن تتابع الايام والاعمار كان كحبات مسبحة تتجاوز شهور وسنين لتصل ما انفرط وتعيده مبتسرا لأوله

هذه الايام أقرأ "اوائل زيارات الدهشة ",لماذا اعتقدت أنك شققت ما كتبت من صفحات محمد عفيفي مطر!!!

ربما لصدقه وتوحده تماما وشفافيته

ما قرأته لا يمكن أن أقول أنه أعجبني أبدا....هو أشجاني ,وعلقني به مبتسرا محاولا أن أنهض وأكمل نموي.

أحبك

عماد الجندي

شمس النهار said...

انا مش ناقده ادبيه
بس اللي اعرفه ان القصه بتكتب للناس العادين
اذا وصلت لهم ومست مشاعرهم
وتفاعلوا معاها وقروها بدون ملل يبقا الكاتب ناجح ووصل للناس

القصه دي وصلت وحركت مشاعري وتفاعلت مع الاحداث والابطال

ماشاء الله عليك كاتب ناجح